عدد الأسبوع من سيدتي

بقايا مكان

الجمعة 27-04-2012 12:00
نجاة غفران

وقفت عند عتبة بيتنا القديم. قلبي يدق بشدة. وعيناي تدمعان.

اتصل إخوتي بي في منتصف الأسبوع. قالوا إنهم اتفقوا على عرض البيت للبيع. وطلبوا مني أن أحضر أو أن أبعث من ينوب عني في الإجراءات الإدارية. قلت إنني سأفكر. واستعجلوني. لكل منهم أشغاله. وهم يريدون إنهاء الموضوع واقتسام رزقهم.

لم يكن من الممكن أن أوكل المهمة لأحد. الدار القديمة تعني الكثير بالنسبة لي. لم يستشرني إخوتي في أمر بيعها. قالوا إنهم اتفقوا على ذلك. ولم يسألوني إن كنت أمانع أم لا.

توجهت رأسًا من محطة القطار إلى المدينة الشعبية. لم أخبر أحدًا بوصولي. مفتاح البيت في حقيبتي. قلبته طيلة الرحلة بين أصابعي. وبكيت. لو كنت أملك مالاً. لو كنت أقدر على إنقاذ دارنا...

أدخلته بصعوبة في فتحة القفل. فكرت فجأة وأنا أديره يمينًا شمالاً أنهم ربما غيروه. الدار مهجورة منذ بضع سنين...

انفتح الباب. وبقيت متسمرة في العتبة. قلبي يدق، ونبضي يتسارع، ودموعي تسيل.

رحمك الله يا أبي. رحمك الله يا أمي. رحلتما وتركتماني يتيمة، مثل هذه الجدران المتآكلة.

اجتزت المدخل المؤدي إلى صحن الدار. صورة الحرم في مكانها، في صدر المضيَفة الصغيرة التي تتصدر الصحن. أبي أتى بها من السعودية. لا أثر لكنبات المضيَفة الثلاث، ولا للمائدة الخشبية التي تتوسطها.

جلت في الغرف المطلة جميعًا على صحن الدار. أغلب أثاثها اختفى. لم يقل إخوتي شيئًا عنه. هل باعوه؟ أم وزعوه فيما بينهم؟ لم يعلموني بشيء.

صعدت الدرجات المؤدية إلى الدور الأول. خزانة الردهة الخشبية اختفت أيضًا، وآنية أمي الفخارية التي كانت تعتز بها كثيرًا.

دخلت غرفنا. طلاؤها تآكل، وأرضيتها تكسرت وامتلأت بالثقوب والحفر الصغيرة.

غرفة والدي، في آخر الردهة، مواربة.

أحدهم دخل إليها، وأغفل إغلاق الباب بإحكام.

قلبت عيني بيأس في قطع الأثاث القليلة التي تبقت فيها. دولاب أدراج مكسور القاعدة، مسندة قش متآكلة، حصير مغطى ببقايا رطوبة، عصا مكنسة، وغبار، وجثة فأر متيبسة.

تقدمت نحو الدولاب الذي كان يحتفظ والدي فيه بأوراقه ووثائقه.

فتحت الأدراج الفارغة.

لمحت في أحدها حبات سبحة. سبحة والدي التي أتى بها من الحج. دق قلبي وأنا أجمعها وأمسح الغبار عنها، وأقبّلها، وبكيت.

أزحت الدولاب قليلاً، ولملمت بقايا الحبات التي وقعت جنب الحائط.

اتصل زوجي في المساء يسأل عما جدّ في موضوع البيت. طمأنته. سأجتمع غدًا بإخوتي، ونوقّع الأوراق، ونقتسم رزقنا، و«لن أدعهم يسرقون حقي وحق أولادي» كما وعدته.

قلبه على مالي.

قهقه عاليًا عندما اقترحت عليه أن نقترض ونشتري البيت من إخوتي. قال إن «دمي خفيف».

حضنت السبحة التي أصلحتها، وبكيت.

رحمك الله يا أبي. رحمك الله يا أمي. ولعن الله هذه الدنيا الفانية.

سمات

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.