وراء كل رجل عظيم امرأة

وراء كل رجل عظيم امرأة

قالها نابليون ذات يوم، رغم ما فعلته جوزيفين بغياب صاحب قوس النصر الفرنسي (وراء كل رجل عظيم امرأة)، لتعود هذه الجملة في واحدة من الأغاني الجديدة للمطرب  ملحم زين (بركاكة) لا بعدها ركاكة وبدون أي وزن شعري كما هو متعارف عليه في المغنى العربي، وخاصة الغناء ذا الطابع البدوي الذي يحمل من الشعر ما لا تحمله الأغاني الحديثة. (ورا كل زلمة في مرى) تصفعك هذه الجملة لدى سماعها، بالرغم من جمال صوت ملحم الكامل. هذه مَلَكة إضافية ينعم الله بها على خلقه، الصوت الكامل. هذا ما يوصف به صوت وديع الصافي، فهو يصل أعلى نوتة في الطبقات العليا التي يصل إليها صوت الإنسان وينزل إلى أقصى درجة في سلم الموسيقى. وبروز ملحم كان على حساب أغاني وديع الشهيرة التي تبرز هذه القدرة  على أداء الجملة من نوتة عالية دون أي ضغوط على النبرة أو دون أي تنشيز، كما في أغنية «عندك بحرية يا ريس» التي ألهبت حماس الجمهور بعد اكتشافها بصوت ملحم زين.

أغنيته الجديدة «تاج راسي» تحمل صوتاً جباراً خاصة في مطلعها (الموّال) المقتضب، ليدخل برفقة الإيقاع القريب من (الحدى) السريع وبنغمة قريبة للأذن حين ينشد المطلع (شو هالدمع الي سال/ من عينك عا تيابي/ طول عمرك اخت رجال/ بحضوري وبغيابي).

تأتي هذه الأغنية في زحمة الإنتاج الغنائي الذي ذهب نحو هذا النوع من  الموسيقى (الجبلية) أو الرعوية، إلا أن التوزيع الذي يتبعه  ملحم في هذه الأغنية يميّزه باستغلال آلة الناي التي  تعزف الصولو الراقص من نغمة بنكهة كردية خاصة في الجزء الثاني بانتقالها إلى الطبقة العليا من النوتات  الراقصة.  ملحم زين تفوّق على أبناء جيله ورفاق دربه، إلا أن الخبرة في انتقاء الكلمات لا زالت برعمية.

 

عودة آدم من الصمت..

"على بالي" أغنية للمطرب آدم، وأصرّ هنا على كلمة مطرب وأضع تحتها خطاً. فالصوت قادر  شديد الإحساس، بالرغم من  زيادة الوزن  البدني والتي  تبدو من خلال «الفيديو كليب» الجديد: الشعر منسدل طويل على طريقة المغني اليوناني (ديمس روسس). لكن لا بأس، فالأغنية جميلة وفيها ما يشفع لها عند المشاهد والمستمع. والجرأة في فكرة الأغنية المصوّرة تكمن في ندم المغني الذي تسبّب في موت الحبيبة بعد غرقه في الميسر الذي أفقده كل شيء حتى الزوجة المحبة التي طال انتظارها لتدخل إلى عالم الموت الأسود، وإن كنت ضد إبراز هذه الحالات في «الفيديو الكليب» لجهة (إلهام) المراهقين ودلّهم إلى وسائل لا ضرورة لتقديمها عبر وسائل الإعلام المرئية على وجه الخصوص.

"على بالي أكتب غنية على بالي / تحكي علي صاير فيي / شو غيّر أحوالي/ تحكي  علي مخبا بعني على بالي على بالي".

أسلوب هذه الأغنية يندرج ضمن الأغاني القابلة للاستماع. فاللحن انسيابي يبرز آلة البيانو بخلفية للكمنجات، ليترك الصولو  للمزمار (التركي) الذي يجذب نغمات الحزن والشعور بالندم. الإيقاع «المصمودي» البطيء وإبراز آلة الرق الإيقاعية والغيتار الكهربائي خلطة لم تصل حدّ الاستهلاك، الإمكانيات متوفّرة في صوت آدم، نرجو ألا يغيب كما فعل بعد انطلاقه بأغنية «خلص الدمع».

 

أسماء المنوّر «روح» نوايا حسنة

كبيرة هذه المطربة بجانب الكبار... مطربة تملك كل المواصفات التي تجعلها في المقدّمة، صوتها «شتوي» مملوء بالفرح، ينذر بربيع قادم لا محالة.

ألبومها الجديد الذي حمل عنوان «روح أسماء المنوّر» يتداول بين الإذاعات برغبة من القيّمين على الموسيقى هذه الأيام، بغضّ النظر عن قدرة هذه المجموعات البشرية العاملة في الإذاعات أو القنوات التلفزيونية على التصنيف...فعامل الذوق أحياناً تحكمه الغريزة لا القدرة العلمية، والأغنية الجميلة

لا تحتاج إلى معرفة الأسباب والمسبّبات لقبولها عند الجمهور.

أسماء المنوّر أهدت جمهورها مجموعة أغان مطعّمة باللهجة المغربية... مفعمة بالكلمات والألحان الخليجية...وهي صاحبة الحضور الكبير وسط الفنانين الخليجيين...وقفت إلى جانب كبارهم وشبابهم، من أبو بكر سالم إلى حسين الجسمي مروراً بعبد الله الرويشد وآخرين.

إلا أن التجربة التي دفعت بأسماء المنوّر إلى الصفوف الأمامية عربياً كانت تلك الكلمات التي رسم لحنها كاظم الساهر متكئاً على شاعر يخبىء الموسيقى بين الأحرف لتنساب على لسان من يستطيع أن يقرأ الشيفرة القبانيّة.

هذه المرة، تحاول المنوّر منفردة أن تقول أنا هنا.. فهي تعمل جاهدة لتقديم كل ما لديها في هذا الإنتاج...تفرش (العُرب) الصوتية في كل زاوية، تعطي الكلمة الخليجية من لكنتها المغربية المطعّمة بالأندلسية كما في أغنية «تودعني». وبدا ذلك جلياً في الأغنية التي يحمل الألبوم اسمها «روح» منطلقة من نغمات (الغناوة) المغربية، بتوزيع موسيقي ترك الخلطة المغربية- الخليجية تنساب لتشكّل حالة فرح مضاعف بقدرة الموسيقى على توحيد الموحّد في الأصل..

تصل أسماء إلى ملعبها في الأغنية التي كتبت هي كلمتها بالفرنسية ـ المغاربية «أنا تعبان» (وتمنيت لهابط لبلادي يوصل سلامي معه .. توحشتك يا الحبيبة)... تخاطب المغتربين المغاربة المفرطين بغربتهم، وإن كنا افتقدنا هذه الكلمات في انتاجاتنا هذه الأيام بعد نزع حدود الوهم وانصهار العالم

في قرية صغيرة، نعرف أخبارها جميعاً... إلا أن هذا لا يلغي الحنين إلى (الحبيبة الوالدة) وما يدور في فلكها الذي نستحضره كل صباح نحن المغتربين عن أوطاننا.

يتّضح حضور الشعر الخليجي في ألبوم أسماء جلياً، وهذا ما يسعى إليه شعراء الخليج في حال اكتشافهم لموهبة بوزن أسماء المنوّر، فهي القادرة على إيصال كلماتهم بأمانة خالصة، إلى فضاء الإحساس «الملتبس» على المتلقي في زحمة التهوّر الفني الذي وصل حدود "الإرهاب".

بنيّة حسنة تقدّم أسماء ألواناً مختلفة مستعرضة صوتها لتصل إلى أغنية (الكلمة الحلوة) والتي لو صدر الألبوم من دونها لما تغيّر شيء...فهي محاولة للحاق بتجربة حسين الجسمي على طريقة» 6 الصبح «وان كانت اللهجة خليجية على إيقاع مقسوم، خال من روح المبادرة التي حققها الجسمي من خلال تلك التجربة.

(انا كل ما صافحتك بيبان في عيني) خليط عجيب يدفع إلى حلبة الرقص أو إلى الفرح الذي تصدره الطبول المغاربية في إطار الموسيقى الاسكوتلندية (الممغربة).. هذه الأغنية ستكون واحدة من أغاني المهرجانات التي سوف تشارك بها المنوّر في المستقبل وستحظى بتصفيق شديد من الذواقة.

قدّمت أسماء بعضاً مما لديها بنوايا حسنة، بانتظار إنصافها من جمهور مخترق هذه الأيام بصورة نمطية عن جهوزية المطرب أو المطربة لتلبية رغباته في تقديم أغان مشكوك في قيمتها. لكن صوت المنوّر قد لا يسمح لها بالانزلاق إلى هذا الدرك لأنه نعمة يخصّ الله بعضاً من بشره فيها.