مسابقة القصة الفكاهية: أنا والحاسوب

صورة تعبيرية

من القصص الفكاهية المستوفاة لشروط مسابقة «سيدتي» للقصة الفكاهية القصيرة، نقدم لكم قصة: «أنا والحاسوب» لنجوى خباز. مع العلم أن القصص لم تخضع لأي تصحيح، عدا التصحيحات اللغوية والإملائية، على أن تقوم لجنة الجائزة باختيار الأصلح بينها.
 

أنا والحاسوب
لم يكن حدثاً غير عادي بالنسبة لي، فقد ألفت الحاسوب وألفني حيثما تحركت في مكان عملي وصار جزءاً من ذاكرتي النظرية والحسية. لكنه بالنسبة لأفراد أسرتي وجاراتي كان مخلوقاً غريباً إلى حد ما.
…ووصَلَتْ بعد طول ارتقاب الأولاد على الشرفة، العلبةُ الكبيرةُ … ودخَلَتْ المنزل وتَحَلَّقَ الأولاد حولها وأخذوا يتعجلون إخراج محتويات العلبة وأنا أفُكُّ لواصِقَها، ثم أخذوا يتحسسون بفضول أشد، الأجزاء المتجمعة شيئاً فشيئاً من هذا الضيف الجديد الأسطوري!
ودارت الهمسات بين ابنتي الصغيرة وبين أفراد عصابتها من الفتيات أترابها من بنات الجيران عن ما يقدمه هذا الجهاز من ألعاب وتسليات خارقة.


وغدا لدينا في البيت حاسوب ……
في غرفة المكتب، احتلت منضدة الحاسوب الصدارة بين مكتب زوجي الخشبي الأبيض الأنيق وبين نافذة الغرفة على الشارع، فاكتمل بهاء الغرفة وحاز مكانُه الذي اخترناه رضا أنفسنا وأشادت جاراتي الحكيمات بحسن اختيار موضعه ليكمل طقم المكتب بهيبته، ولكن الحاسوب نفسه اعترض على هذا المكان، فما أن أدرت مفتاح الطاقة لهذا المسكين وظهرت على شاشته أول صورة مرئية حتى اكتشفتُ أن رجفةً مستمرة تعتريه على شكل أمواج سريعة في الصورة تتلاحق من أعلى الشاشة إلى أسفلها، وفشلتُ في أن أجد سبب هذا المرض فأجبرت نفسي على تقبل العمل عليه وهو على هذه الحالة، حتى صارت حدقتا عينيَّ تدوران في بياضهما سباحة ورأسي يهتز دون شعور ممثلاً لحركة الشاشة، حتى حين أطفئ الحاسوب وأنهض. وبالكاد عرفت أن خط توتر عالٍ يمر في الشارع محاذياً لجدار الغرفة حيث يقبع الحاسوب مضطرباً من المجال المغناطيسي الذي يحدثه هذا الخط اللعين.


وقررت نقل الحاسوب من مكانه…
وهكذا احتل الحاسوب مرة أخرى الصدارة، إنما هذه المرة في غرفة الصالون الواسعة، وأقنعتني جاراتي بأنه أيضاً يبدو كقطعة جميلة بين أثاث الصالون رغم أنه تخلى مجبراً عن منضدته وتربع شبه ذليل على طرف طاولة الطعام محاولاً فرض نفسه كطبق أساسي خارج أوقات الطعام!
واعترضت أنا…! كان من المستحيل عليّ في أكثر أماكن البيت ازدحاماً وضجة وهرجاً أن أنجح في تنظيم أفكاري وأنا أعمل على الحاسوب، بالإضافة إلى وجود ضرّة لصيقة له في الصالون! التلفزيون والدشّ _هذا الثنائي الكريه!! _ وأشفقت عليه وعلى نفسي من محاولات يائسة للتأقلم مع الوضع.
وسرَّحت طاولة الطعام من مسؤولية حمل الحاسوب …


ما أجمل هدوء غرفة النوم! وتنفست الصعداء بعد ربط براغي أسلاك الحاسوب وتوصيله بالكهرباء. هنا يمكن أن أنجز أعمالي بهدوء، ولا بأس عليك يا صديقي هنا في غرفة النوم الحارة جداً دون مكيف في الصيف وتَحمَّل معي بردها في الشتاء، وإلا فأي شريك لي أنت في عملي؟
ولست بحاجة إلى تفصيل الاعتراضات الصادرة عن الباب العالي على وجود هذا الشاغل اللاهي في غرفة النوم! وعلى بقاء ضوء الغرفة مناراً حتى ساعة متأخرة ليلاً وعلى الفوضى التي دارت في البيت خارج الغرفة ورقيب الأم نائم على لوحة مفاتيح الحاسوب.
وبدون كثير من النقاش أرخيت براغي أسلاك هذا المسكين وعرفت أين سأضعه للمرة الأخيرة!


وددت لو أني اصطحبت مع الحاسوب إلى المطبخ شهادة الهندسة خاصتي، وعلقت على نافذة المطبخ من الخارج لافتة باسمي وسرداً بأعمال الهندسة المدنية والمعلوماتية التي أُحسنها على غرار ما يسرد الأطباء، وعينت سكرتيرة لي لترد على هواتف الجارات حتى لا تشغلني عن متابعة أعمالي؛ لأثبت لنفسي أن هذا المكان لي وحدي ولن يضايقني فيه أحد، وأنه بالفعل مملكتي الخاصة المعترف بها رسمياً؛ حيث أقضي الساعات الطوال ولا أحد يتفقدني فيفسد عليّ خلوتي، ويمكنني أن أدير أعمالي الأساسية المنوطة بي كربة منزل بينما أختلس من فراغات هذه الأعمال شيئاً أنجزه على الحاسوب من تفاهات العمل الهندسي مقارنة بالعمل المنزلي المقدس وليس العكس.


وربما إذا خرج الحاسوب يوماً من مطبخي للحقت به قطط الحارة تلعقه من أثر اللحم والسمن والطحين وما إلى ذلك …
نعم … إن التاء المربوطة المؤنثة والتي تشكل سدس كلمة مهندسة قد غلبت بقية الأحرف كلها وفي الواقع فإنه يجب تسميتها التاء الرابطة تمشياً مع فعلها وليس المربوطة تمشياً مع شكلها!


واستقر الحاسوب شريكي في المطبخ، وأسلم مصيره لشريكته المربوطة بالتاء، وكفَّ عن التفكير بأقرانه المدلَّلين على مكاتب الرجال المحترمين … و«ارحموا عزيز قومٍ ذل».
تُرى، لو كان هذا الحاسوب لربّ الأسرة الرجل، أما كان حظي بمكان لائق على مكتب نظيف في زاوية جميلة في البيت؟

من يُنصِف …؟