أسرة ومجتمع /ثقافة وعلوم

مسابقة القصة الفكاهية: متلازمـة الصّفـــر (0)

من القصص الفكاهية المستوفيّة لشروط مسابقة «سيدتي» للقصة الفكاهية القصيرة، نقدم لكم قصة: «متلازمة الصفر- 0» لحمادي أبوبكر، مع العلم أن القصص لم تخضع لأي تصحيح، عدا التصحيحات اللغوية والإملائية، على أن تقوم لجنة الجائزة باختيار الأصلح بينها.


متلازمـة الصّفـــر
قيل إنّه ولد على السّاعة الصّفر بالتحديد، على عكس ملامح والديه، كان شكل رأسه مفلطحًا يشبه «الصّفر»، وقتئذ لم ينتبه أحد لهذه الإشارات، ساقَاه المقوّستان أيضًا اتخذتا نفس الشّكل عندما بدأ تعلّم المشي.
كان يعود خاليَ الوفاض من كل خرجة إلى الحقول مع أقرانه، يأمره والده بجلب أكبر كمية من المحاصيل على تنوع مواسم جنيها، سواء هبة أو سرقـةً، المهم أن تمتلئ قفّـته، يخرج من المنزل محمّلا بــرُهاب العودة صفرَ اليدين، وإذا ما صدق تخمينه تسلّق فورًا أشجار الصنوبر ممسكًا بأعشاش الحجل يتلقّف ما فيه من بيض، ورغم هذا لا يسلم من تحقير والده عند عودته:
«بيض حجل! بيضتان وبيضة مكسّرة هههه... أرأيتِ؟ تمخض طفلك فباض كالحجل لا كالنعام..».

أصبحَ الشكل البيضويُّ هاجسه، حتى في المدرسة رافقه الصّفر في أغلب نقاط الامتحانات، أحد معلّميه سخر منه أمام زملائه:
«الصّفر أضاف الكثيرَ للرياضيات على الأقلّ، صديقكم هذا ماذا سيضيف مثلا؟».

لا شيء يحفزّ على الاستمرار، شتمَ بطليموس والخوارزميَّ كثيرًا في خلوته؛ بل شتم الرّياضيات بكل قوانينها ومسلّماتها:
«حمقى! ماذا كانوا سيخسرون لو تركونا من دون صفر..».

الرقم البعبع..
ينام مضطربًا به ويستفيق فزعًا منه، يراه في قرص الشّمس الغاربة، في عجلات السّيارات؛ فقاعات الصابون وحبّات البسكويت، الكون كلّه أصبح صفرًا،هكذا واساه صديقه قائلاً:
«لولا الصّفر لتعطلّ كلّ شيء في العالم». .
لكنه يرى نفسه صفرًا متعطلاّ بذاته! يُضاف فلا ينفع، يُنقص أيضًا فلا يضرّ، يقول فلا يُسمع، يصدح بصوته قبالة الجبال فلا صدى..
«يا لحظّي!. حتّى الجبل أصبح عارفًا بالحساب!».. يقول متهكمًا.
كان يمنّي نفسه بأن يرث بعض المال من أبيه بعد وفاته، لكنّه خيّب ظنونه ولم يترك له مالاً، لا أرض يفلحها، ولا حتى بيتًا يؤويه، ورث عنه الصفر كمّاً وكــيـفًا..
أطلق صفير الحسرة على حياته، ثم أطربَ يجلد ذاته:
«الصّفير يليق بك.. الصّفير من الصّفر.. صفرّ يا ابني صفّر». .
عمد إلى شجرة فارعة الطول، أحضر كرسيّاً وحبلاً ثخينًا علّقه بغصن عتيد صعب الانكسار، حزمه جيّداً حتى يسهّل عليه مَهمّته، أصبح يرتاب في كلّ شيء، حتى في نجاح فكرة الانتحار!.
أدخل رأسه المفلطح في عقدة الحبل «الصّفر»، ابتسم هذه المرة ثم ضحك مطوّلاً، لن يتركه هذا الملعون حتى يفارق الدّنيا، أحكمَ العقدة جيّداً حول عنقه حتى أحسّ أنها تخنقه وتضيّق عليه، تذكر الأعشاش التي هدمها في صغره من أجل حياة لا تستحقّ..
«اللّعنة! هل هذا وقت الحجل وبيضه..».
تأمل الوجود من حوله، كان يبدو جميلاً بغموضه كأنّه يدفعه للتفاؤل والتراجع، لكن سرعان ما عقد حاجبيه مجدّداً تأهبًا لمصارعة الموت البشع، التفت يمينًا وشمالاً، لا أحد! صفر إنسان..
دفع الكرسيّ على الأرض فتلوّى كدودة فوق الأرض يقذف قدميه في الهواء كالقفة الفارغة التي كان يلهو بها في يده، مات مكسَّراً كبيضة حجل.
بعد ساعات سمع النّاس صراخ رجل في الخارج:
«لقد انتحر! يا قوم.. الصّفر انتحر».
لما رأوه، كان مظهره مهيبًا، لا يشبه الصّفر، ثابتًا،منتصبًا مطرقًا رأسه إلى صدره، كالرّقَم «واحد».

أضف تعليقا

X