أشياء لا تمضي

شهرزاد


لكل رواية صفحة أخيرة، ولكل حكاية فصل أخير، تُسدل بعده الستائر، وتخفت الأضواء كثيراً، ويعلو تصفيق الجمهور، وتنتهي أدوار الأبطال عند مفترق الطرق، ويبقى دور البطولة المطلقة للفراق..
لكن هناك حكايات لا يجب أن يتوقف سرد أحداثها في داخلنا، وهناك صفحات لا يجب أن تقلبها الأيام مهما تعرضت دفاتر أرواحنا لرياح العمر..
وهناك تفاصيل لا يجب أن تسقطها ذاكرتنا مهما ذبلت أو فقدت ألوانها بنا، وهناك رسائل لا يجب أن تتحول إلى كومة أوراق مهملة تحت كتلة من الغبار، وهناك أماكن لا يجب أن تُصبح مجرد أطلال حزينة يجرفنا إليها الحنين في لحظات وهننا النفسي..
فالذكريات التي تلتصق بنا أثناء خروجنا من حكاياتنا الحقيقية، تتحول مع الأيام إلى إرث عاطفي يصعب على قلوبنا التفريط به!

لذا.. لا يجب أن يدق جرسي الأخير في عمرك، لا يجب أن تُختم حكايتي معك بكلمة (النهاية)، لا يجب أن أتحول في أجندة هاتفك إلى رقم غير مهم، لا يجب أن أتحول فوق محطاتك إلى قطار رحيل لا عودة له، لا يجب أن أُركن في زوايا ذاكرتك كمعقد قديم على طريق كان يضج يوماً بالحياة، لا يجب أن أتحول إلى قصيدة مكسورة غير قابلة للإلقاء على الملأ، لا يجب أن تُسقطني على قارعة العمر كأنني تفاحة محرمة أورثتك الندم وتمضي، لا يجب أن تشطبني الحياة من تاريخك كأنني طقوس مُخجلة، لا يجب أن تحذفني ذاكرتك بحكم التقدم بالعمر، لا يجب أن تتشافى مني كأنني مرضك العابر، لا يجب أن يمضغ النسيان أوراق تاريخي المحفوظة بك، لا يجب أن أتحول في داخلك إلى بقايا عاطفة فقدتها الجزء الأكبر من نبضها وصدقها، لا يجب أن أتحول بك إلى مدينة فقدت أبوابها ونوافذها، والجزء الأكبر من سقفها وتحولت إلى وطن مهجور، لا يجب أن تتنازل عن عرشك بي وتتحول إلى مجرد عابر عمر أو بطل مرحلة مؤقتة، وأتحول أنا إلى أنثى حالمة، تبيع الورد على طريق لا يسير عليه سوى العشاق، وتسرد عليهم حكاية سراب الطريق الذي كلما اقتربت منه ابتعد عنها، ثم تبالغ بأحلامها أمامهم، وتخبرهم أنها ذات حكاية اقتربت من السراب حتى أمسكته بيدها،
ففي الفصل الأخير من حكايتك بالغتُ بأمنياتي كثيراً، كراعي الغنم، ذاك الحالم الذي تمادى بأحلامه حتى كسر جرة العسل، واستيقظت من أحلامي بك على بقايا أوهام متناثرة حولي، كما استيقظ هو من عظيم أحلامه على بقايا جرة وحلم.

قبل النهاية بقليل:
‏لم أكن أحلم منك بالكثير
‏لكن حتى القليل أحياناً.. قد لا يأتي!
‏****