كم نحن معتلون بوجعنا

سلمى الجابري


المجد دوماً للحظات التي لا نستطيع لمسها، ولا العيش بداخلها بشكل أطول، فهي الوحيدة القادرة على الحفاظ على نضارتها بجماليّة سرعتها في الرحيل، فكم من لحظة لا تتجاوز الدقيقة ظلّت ترافقنا للأبد؛ فقط لأنها علمت جيداً من أين تؤكل الذكرى وتحيا.
بعض اللحظات من فرط السعادة التي تشع منها، تُعمي لنا قلوبنا بفعل جنون، وهذا هو الكمين الذي نقع فيه، ونحن بملء الصخب، فهي لم تحتج للكثير للإطاحة بأنفاسنا، لم تحتج سوى ضعفنا المغمور أمام ربكتها، وهنا كانت كارثيّة اللاوعي، الذي ابتسمنا له كحمقى ضلّوا عن صواب طريقهم.
ليست كل البدايات التي نعبرها تضاهي تلك البداية التي ما زالت راسخة بأطراف قلبنا، فمهما تشابهت البدايات، فهي تختلف قطعاً في مدى تطرّفها وفردانيّتها عن الأخرى، وتلك اللحظة البدائية في فكرتها وقوتها، لم أشعر بها قط، إلا عندما أعيد لقلبي نبضه القديم. إلا عندما أعيد لقلمي حرفه المدويّ. إلا عندما أبكي مراراً وتكراراً من تشابه الأسماء التي تذكرني بهم عنوة. إلا عندما أُطعم النوارس بحب مضاعف، وأنا جائعة الروح. إلا عندما أغني وأغني، فتنتهي بي الأغنيات نحو «رتم» يشهق الحنين إليهم. إلا عندما أفقدني في وسط زحام العاطفة كشيء لا قيمة له في ضياعه، أو حتى عند إيجاده. لم أشعر بتلك اللحظة الغاشية بتمرّدها. إلا عندما أنسى من أكون، وأنا ألفظ شعور «الحنين».
يا لكميّة الغرابة التي نصطدم بها، عند كل لحظة لم نعد نلقي لها بالًا! ويا لكميّة الوجع الذي نصافحه عند كل سقوط لا نتوقعه؛ بسبب لحظة واحدة، أصبحت فيما بعد هي قصاصنا الذي لا ينتهي مطلقًا. كم نحن بائسون عندما يتعلق الأمر بالذكرى، وكم نحن معتلون بوجعنا، عندما يكون تعبنا هو بسبب الحب.