كوزيت

شهرزاد

هل تذكرون (كوزيت) بطلة الحكاية العالمية (بائعة الكبريت)؟
كوزيت تُمثل أحلامنا!


تلك الأحلام التي تخلينا أو اضطررنا للتخلي عنها عند أول مواجهة لنا مع نور الواقع..
الأحلام التي خذلناها لأن أعواد الثقاب في حقائب أعمارنا لم تكن كافية لبث الدف في أحلام بداياتنا الوهنة.


لذا خسرنا نحن عاطفة أولى وحكاية أولى، بينما كانت (كوزيت) تشعل أعوادها وتخسرها جميعاً في محاولة منها للتمسك بالحياة. لكن البرد خذل الصديقة الصغيرة، فرحلت بالية الملابس، مبللة الشعر، باردة الأطراف، لتكون صدمة الصباح لصغار كانوا يتلهفون على معرفة نهاية القصة القصيرة..
وحين كبروا اكتشفوا أن كوزيت لم تكن الطفلة الأخيرة التي يخذلها البرد والمطر!


فـ (كوزيت) غادرت أوراق الحكاية العالمية، كما غادرت أفواه الجدات، فلم تعد تُسرد كحكاية قبل النوم، بل أصبحت حقيقة تتجول أمامنا، وتتواجد في الكثير من الأمكنة!
فأنا رأيتها تقف تحت الشمس عند إشارات المرور، تبيع زجاجات الماء البارد، ولمحتها في شوارع الغربة تتجول في البرد حافية القدمين، ورأيتها في شوارع إسطنبول حيث كان البرد يستوطن الطرقات كعدو قاس، ورأيتها بين النازحين من سوريا تمسك كف والدتها بخوف، ورأيتها تغالب النوم بجانب تلك المسنة التي تبيع المناديل الورقية على البحيرة، وتسرد على المارة حكاية وجعها، ففي كل حكاية برد هناك بائعة كبريت، وفي كل حكاية هجرة
وخذلان ووهن وقسوة وظلم هناك (كوزيت).


لذا كنت أراها في وجه كل طفلة بائسة، وأشم رائحة احتراق ثقابها في أثواب كل الفقراء الذين تئن أجسادهم الصغيرة من البرد، وألمح حزنها في أعين كل المنفيين عن أوطانهم، وأشاهد ارتعاش أطرافها في كل يد صغيرة تمتد طلباً للدفء.
فـ (كوزيت) لم تكن مجرد شخصية كرتونية أدت دور(بائعة الكبريت) ثم غابت..
كوزيت كانت صديقة طفولتي التي أخبرتني أن هناك من يموت من البرد، وان المطر ليس دائماً صديق الفقراء..


لذا كنت أصطحبها معي في أحلام يقظتي، فأتجول معها في الطرقات في شدة البرد.
وأعيرها حذائي كي يقيها برودة الشوارع المبللة بالمطر، وأتنازل لها عن ملابسي الشتوية، وأساعدها في إشعال أعواد الثقاب، وأحمي نيرانها من الانطفاء؛ كي تبقى على قيد الحياة. لكنها كانت دقيقة في أداء دورها، وترفض أن تتمرد على نهاية القصة العالمية، فكانت في كل ليلة تشعل الثقاب وتموت على عتبة باب من أبواب المدينة الباردة، بينما أعود أنا من رحلة خيالي حزينة لعجزي عن إنقاذها.

قبل النهاية بقليل:
بينما كنا نحن نكبر... ونتدثر بالأمان
كانت صديقتنا الصغيرة (كوزيت) تجوب الطرقات المبللة
وتحرق أحلامها وتلفظ عند الصباح أنفاسها.