نِهايات بِلا ظِلٍّ

شهرزاد

تعلمت من حكايتك أن بدايات العلاقات قد تختلف عن نهاياتها، وأن البدايات العملاقة التي تستظل قلوبنا في ظِلِّها، قد تليها نهايات قزمة لا ظِلّ لها، نهايات بِلا أسْقُفٍ تترك أحلامنا في العَراءِ، نهايات تأتي مُناقِضة لتوقعاتنا تماماً..

فها نحن نعلن نهاية تَقْليديّة لحكايةٍ ظنناها حِكاية عمر، وننسحب من قائِمةِ عشاق العالم بِلا ضجيجٍ، وبِلا مَراسِمِ وداعٍ فخْمة تليق بتلك الأمنيات الفاخِرة..

إنها نهاية تافهة، نهاية صغيرة، باردة جداً، لاتليق بتلك العاطفة المشتعلة التي أحرقنا بها العالم، ولا بتلك الأحلام المتهورة التي دفعتنا لتجربة الطيران بأجنحةِ الحب، ولتجربة السَيْرِ عكس التَيّارِ ظناً منا أن الحب سيحمينا من الغَرَقِ..

فها نحن نفترق بصمتٍ، ليصعد كل منا على خشبةِ مسْرحٍ مختلف من مسارِح الحياة، ويتقاسم البطولة مع نصف آخر، وشريك آخر، ويعيد ترتيب أولويّاته وهِواياته واهتماماته وأمْنيّاته..

ها نحن نفترق ولم نتحوَّل إلى أبطال حكاية خرافيّة تسْردها الأجيال على الأجيالِ، ولم نصبح قصة عظيمة تُدرس في مناهِجِ اللُغة العربيّة، ولا رِواية حب تخفيها عاشقة صغيرة تحت وسادتها، ولا قصيدة حنين يرسلها مُغْترب إلى أنثى وعدها بالعودةِ ووعدته بالانْتظارِ، فلا هي انْتظرت، ولاهو عاد..

افْترقنا ولم نُصبح أيّ شَيْءٍ مما حلمنا به ذاتَ يومٍ، حين كنا نتبادل الوعود المُسْتَحيلة ظناً منا أن الحب يسخر المستحيلات ويصنع المعجزات، قبل أن نكتشف أن الحب قد يصنع أشياء كثيرة ربما تبدو للبعضِ مستحيلة، لكنه يقف عاجزاً عن صُنْعِ معجزة واحدة..

افترقنا ولم نصبح في تاريخ العشاق شيئاً يُذْكَر، بل أصبحنا مجرَّد قصة فاشلة، حكاية جبانة فرت هاربة حين قطع ذئب الواقع طريقها، لنجد أنفسنا فجأة نتجرَّد من أجنحتنا، ونتوقّف عن الطيرانِ، ونسير على الأرضِ مع التيّارِ، ونسخر من الذين يغامرون بالسيرِ عكسه، ومن أولئك الذين يؤمنون بأن النهايات ستشبه البدايات، ومن الذين لازالوا ينتظرون أن يصْنع لهم الحب معجزة حقيقيّة..

افترقنا ولم أخبرك، أني حين قلت لك وداعاً تَبعْثَرَ الزمن في داخلي كثيراً، وتعرَّضتُ لهزّةٍ زمنيّة أعادتني إلى المنزلِ الأول، فبحثت عن نُسْختي القديمة، وعن عصا جدي ومِسْبحة جدتي، وعن صحةِ أبي وعطر أمي، وعن ذلك الأمان الذي نفقده حين نغادر منازلنا الأولى بكلِّ تفاصيلها المعتَّقة برائحةِ أعمارنا الأولى..

قبل النهاية بقليل:
بعض الفراقِ لايُعيدنا إلى مكانٍ.. هو يعيدنا إلى أنفسنا فقط!