فضائيات «الزمن الجميل».. «نوستالجيا» للماضي أم هروب من الواقع؟

شعار قناة روتانا كلاسيك- الصورة من الموقع الرسمي للقناة
شعار قناة روتانا كلاسيك- الصورة من الموقع الرسمي للقناة

على الرغم من تضاعف عدد الأعمال الدرامية وبرامج التوك شو عبر الفضائيات العربية والمنصات الرقمية المشفرة في السنوات الأخيرة، وحدوث طفرة تكنولوجية كبرى في تنفيذها واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي في تسويقها، شهدت الأعوام الماضية، زيادة في أعداد البرامج التلفزيونية والقنوات والمسلسلات، وحتى صفحات التواصل الاجتماعي، التي تعيد بث دراما وبرامج العصر الكلاسيكي للفن العربي، والمفاجأة أنها حققت ملايين المشاهدات واحتلت صدارة الأكثر بحثاً على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها تعرض للمرة الأولى. واحتار النقاد وخبراء الإعلام حول السبب فرأى البعض أن الظروف المعاصرة تدفع لـ»نوستالجيا» الماضي، بينما أكد البعض الآخر أن الإنتاجات الفنية الجديدة فشلت في تعويض المشاهد العربي عن «فن الزمن الجميل».

شعار قناة ذكريات - الصورة من الموقع الرسمي للقناة


«روتانا كلاسيك» و«دبي زمان» و«ماسبيرو زمان» و«ذكريات» و«كايرو زمان» و«ميلودي كلاسيك» أبرز القنوات الفضائية الرسمية والخاصة التي تم إطلاقها خصيصاً؛ من أجل إعادة بث مسلسلات وأفلام وبرامج من العصر الذهبي للفن العربي، وظن البعض وقت إطلاقها أنها مجرد نافذة لاستغلال تراث الهيئات الإعلامية العربية المكدس في الأرشيف، ولكن المفاجأة أن هذه القنوات تصدرت نسب المشاهدة، ولم يقتصر الأمر على مجرد حنين جيل الكبار لفن العصر الذهبي، فقد خطفت هذه القنوات انتباه جيل الشباب، وبعضهم يشاهد هذه الأعمال للمرة الأولى، وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي تشهد حالة نقاش غير مسبوقة حول سبب تميز الأعمال الكلاسيكية على الرغم من تواضع التقنيات الفنية والإمكانات المادية مقارنة بالأعمال الحديثة، ما دفع قنوات الدراما لإدراج المسلسلات القديمة ضمن جدول برامجها على مدار العام لزيادة نسبة المشاهدة.
عمال درامية خالدة

مرصد الإعلام المرئي التابع للهيئة الوطنية للصحافة كشف عن عدة مؤشرات تؤكد ظاهرة «الحنين» للدراما القديمة، لافتاً إلى أن نسب مشاهدة الفضائيات العربية وضعت الجزء الأول من مسلسل «رأفت الهجان» للنجم الراحل محمود عبد العزيز في الصدارة مناصفة مع الجزء الأول من ملحمة «ليالي الحلمية» للنجم يحيى الفخراني، وتضمنت قائمة الدراما الأعلى مشاهدة على مدار السنوات الثلاثة الماضية الجزء الثاني من مسلسل «الشهد والدموع»، ومسلسلات «لن أعيش في جلباب أبي» لنور الشريف، وأرابيسك لصلاح السعدني، والحاج متولى لنور الشريف أيضاً، و«أبنائي الأعزاء شكراً» للراحل عبد المنعم مدبولي. بينما ضمت قائمة المسلسلات الخليجية الكلاسيكية الأكثر مشاهدة مسلسل الدراما الاجتماعية السعودية، «أيام لا تنسَى» من إنتاج عام 1974، بطولة: محمد العلي وسعد خضر وعبد الله السدحان وعبد الرحمن الخطيب، وينافسه مسلسل «أصابع الزمن» بطولة: محمد حمزة وعبد الإله نوار وفؤاد بخش، ومن مصر الفنانون: مديحة حمدي ونسرين وممدوح عبد العليم وأحمد عبد الوارث، والمسلسل الكوميدي الإماراتي «إشحفان» من إنتاج 1978، وبطولة سلطان الشاعر ومحمد الجناحي ومحمد ياسين ومحمد الدرواش.

وتضم القائمة المسلسل الكوميدي السعودي «حكايات قصيرة» من بطولة محمد العلي وعلي المدفع وعبد الإله السناني وبشير غنيم وعبد الرحمن الخطيب، وهو عبارة عن حلقات منفصلة متصلة، كل حلقة تحمل اسماً مختلفاً وتناقش قصة جديدة مستوحاة من واقع المجتمع، بينما يبرز من دراما البحرين مسلسل «بيت العود» من بطولة على الغرير وجمعان الرويعي وأحمد مبارك ومصطفى رشيد وأماني محمد، ومن الدراما الكويتية مسلسل «أجلح وأملح»

محمد فاضل: أهم عوامل جذب المشاهدين إلى المسلسلات القديمة، أنها تتناول علاقات الأسرة، والحب والزواج بشكل مبسط

د. ياسر عبدالعزيز: الحنين فكرة مركزية في الوعي العام مرتبطة بالذكريات، وتجد صدى لدى قطاعات من الجمهور

من إنتاج 1970، بطولة عبد الحسين عبد الرضا ومحمد المنصور ومحمد جابر وعلى المفيدي ومريم الغضبان، بمشاركة الفنانة خيرية أحمد والفنانة آمال رمزي من مصر، وينافسه المسلسل الكوميدي «خالتي قماشة» بطولة حياة الفهد وعلي المفيدي وغانم الصالح وسعاد العبد الله ومريم الغضبان ومريم الصالح.
وفي الشام تظهر أعمال مثل «الفصول الأربعة» و«الخوالي» و«كسر الخواطر» و«بطل من هذا الزمان» و «ضيعة ضايعة» على رأس القائمة.

الجودة والرقي هما السر

المخرج محمد فاضل أحد أبرز صناع الدراما المصرية في عصرها الذهبي أكد أن حرص الجمهور على إعادة مشاهدة تلك المسلسلات رغم تكرار عرضها يعود إلى جمال القصة والحبكة الدرامية، فضلاً عن تناولها قضايا اجتماعية مهمة بشكل متقن، كذلك رقي مستوى الحوار، وجودة أداء النجوم على عكس المسلسلات الراهنة التي يدور معظمها في إطار الحركة أو الكوميديا هابطة المستوى.
ويتابع فاضل: «مسلسلات اليوم مليئة بالحركة المبالغ بها، إذ ليس من المنطقي أن الناس كلهم يحملون دائماً مسدسات وأسلحة بيضاء، ما يقلل من المصداقية».
ويؤكد فاضل أن أهم عوامل جذب المشاهدين إلى المسلسلات القديمة، أنها تتناول علاقات الأسرة، والحب والزواج بشكل مبسط، وكلها أمور يفتقدها الجمهور الآن في ما يراه من أعمال درامية يدور معظمها حول علاقات معقدة.
وينفي المخرج أن يكون الحنين هو السبب الوحيد وراء متابعة الجمهور هذه الأعمال راهناً، مدللاً على قوله بأن جزءاً كبيراً من متابعي المسلسلات من الشباب، وجميعهم لم يعاصروا العرض الأول لتلك الأعمال.

طارق الشناوي
طارق الشناوي -الصورة من حسابه على الفيس بوك



طارق الشناوي: القنوات الخاصة تعيد عرض أجمل ما في الماضي وليس كل الماضي وبالتالي فكل ما تقدمه هو انتقاء مميز ويخطف الأنظار

إيهاب التركي: الأعمال القديمة نسبياً تكشف فقر كتابة وأداء أبطال بعض المسلسلات الحالية

وتر الحنين إلى الماضي

الدكتور ياسر عبدالعزيز، المتخصص في مجالات الاتصال والإعلام، يقول إنّ «فضائيات زمان» تلعب على وتر الحنين إلى الماضي، وهو أحد الأوتار التي نُدرّسها في الأكاديميات، باعتبارها جاذبة للمشاهدة.
أضاف: «النوستالجيا أو الحنين فكرة مركزية في الوعي العام مرتبطة بالذكريات، وتجد صدى لدى قطاعات من الجمهور»، لافتاً إلى أنّ هذا النجاح ليس هدفه استدعاء الماضي فقط، بل المساعدة على استدعاء الذكريات الشخصية المرتبطة بهذا الماضي.
الناقد الفني طارق الشناوي، لفت الانتباه إلى أن القنوات الخاصة بإحياء التراث تقوم فكرتها على الانتقاء، وقال: «هذه القنوات تعيد عرض أجمل ما في الماضي، وليس كل الماضي، وبالتالي فكل ما تقدمه هو انتقاء مميز ويخطف الأنظار».
وأضاف: «الماضي أيضاً فيه أعمال متدنية ونالت هجوماً كبيراً وقت عرضها، لكن ما يعرض منه الآن هو أجمل ما في هذا الزمن، فيحيي لدى المشاهد ذكريات يريد أن يراها مجدداً».

ماجدة خيرالله: «القديم الجيد» فرض نفسه، وعاش بعد عشرات السنين، واستطاع جذب المشاهدين، رغم التطور والتكنولوجيا

لبناء الدرامي القوي

وأوضح الناقد إيهاب التركي أن أعمالاً مثل «لن أعيش في جلباب أبي» قصة إحسان عبد القدوس وسيناريو مصطفى محرم و»الشهد والدموع» كتبه الراحل أسامة أنور عكاشة، وغيرهما من كلاسيكيات التلفزيون، تعتمد على بناء درامي قوي وحكايات شعبية اجتماعية ملحمية، وشخصياتها مرسومة بعناية، والأداء الدرامي لها شديد الجاذبية، ولهذا نجد مثلاً شخصيات مثل «عبد الغفور البرعي - نور الشريف» وأفراد عائلته شخصيات حية حتى الآن.
يضيف: «وهذا جزء من أصالة وإبداع هذه المسلسلات، ولا نجده مع مسلسلات أخرى عُرضت بعدها بسنوات، وقلما نجده في الأعمال الحديثة خلال السنوات القريبة الماضية. وبالطبع تلك الأعمال القديمة نسبياً تكشف فقر كتابة وأداء أبطال بعض المسلسلات الحالية التي يمكن أن تكون ترينداً خلال فترة عرضها ثم ننساها تماماً. أما المسلسلات الكلاسيكية الشهيرة فتمتلك في جوهرها عناصر «الطزاجة الفنية» التي تجعلها ترينداً حتى بعد مرور عشرات الأعوام على عرضها».

 

ماجدة خير الله
ماجدة خير الله - الصورة من حسابها على الفيس بوك


الناقدة ماجدة خيرالله ترى أن غالبية المسلسلات المطروحة اليوم تدور حول الفساد، ولما كان الجمهور يعيش الضغوطات يومياً فإنه يطمح إلى الابتعاد قليلاً عن الواقع من خلال متابعة مسلسلات قديمة عن زمن آخر، مؤكدة أن «القديم الجيد» فرض نفسه، وعاش بعد عشرات السنين، واستطاع جذب المشاهدين، رغم التطور والتكنولوجيا.



رجا ساير المطيري: لا أعتقد أن هناك ما هو أكثر من الشعور بالحنين سبباً لهذه العودة يومياً فإنه يطمح إلى الابتعاد قليلاً عن الواقع من خلال متابعة مسلسلات قديمة عن زمن آخر، مؤكدة أن «القديم الجيد» فرض نفسه، وعاش بعد عشرات السنين، واستطاع جذب المشاهدين، رغم التطور والتكنولوجيا.

فرصة للمقارنة

ويؤكد الناقد الفني رجا ساير المطيري أن الحنين دافع لاستعادة الأعمال المحلية القديمة، وأضاف: «لا أعتقد أن هناك ما هو أكثر من الشعور بالحنين سبباً لهذه العودة، أو الردّة نحو القديم، بحكم أنه لا الأعمال القديمة بمستوى أفضل من الحالية، ولا هي تمثل الذروة الإبداعية للفن السعودي».
ولفت إلى أن الكشف عن هذه الأعمال القديمة عن طريق قنوات مثل قناة «ذكريات»، يمنح فرصة للمقارنة بين القديم والراهن على كافة المستويات. والمقارنة بين مستوى الأعمال ذاتها، والمقارنة في نمط التفكير السابق والحالي، في اللغة والمفردات والأزياء والديكور والسيارات وعموم الأدوات المستخدمة قديماً وحديثاً.
مشيراً إلى أن التعلق بالأرشيف والبحث عن القديم، فرصة رائعة للباحثين والمؤرخين والنقاد، تمنحهم أساساً مرجعياً وموثوقاً لقياس مدى التغير الذي طرأ على الفن والحياة والمجتمع، ما يتيح للنقاد اليوم فرص بناء سياق نقدي يمتد لعقود إلى الوراء، ما يتجاوز النقد اللحظي باستحضار عمق تاريخي، عبر نماذج أعمال درامية كثيرة تمنح الناقد مساحة أكبر لاستخدام أدواته النقدية. ويرى المطيري أن مشاهدة الأعمال القديمة، ومقارنتها بالحديثة، يشي بأن الدراما المحلية ظلت على حالها من حيث الأفكار والمعالجة الدرامية، منذ أكثر من 30 عاماً وإلى اليوم.

قناة ذكريات

أحدث وأبرز قناة انضمت لنوستالجيا الماضي هي قناة «ذكريات» السعودية التي تم إطلاقها بمبادرة من هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية التي أعلنت وقت تدشين القناة أنها ستعيد عرض برامج «لزمن صنع أيامنا، ولا تزال قلوبنا تنبض له وفاء»، إيماناً منها «بما نملكه من إرث كبير في ماضينا الجميل، وما فيه من ثقافة وترفيه».
وسعياً لإحياء تلك «النوستالجيا» في نفوس المشاهدين، خصصت الهيئة من خلال قناة «ذكريات» الجديدة جزءاً كبيراً من «الإرث الكبير وزمن الروائع الذي بدأ أواخر السبعينيات حتى بداية الألفية» في بادرة «تجمع الأحبة، وتخفف من وطأة تبعات البقاء في المنازل، لقضاء أوقات مليئة بالذكريات، وأمتع اللحظات».
وأشارت القناة إلى سعيها لإعادة بث مجموعة من أجمل وأكثر البرامج والأعمال الدرامية التي «أسهمت في صناعة جيل الثمانينات والتسعينات إلى بداية الألفية، وكانت تواكب الشغف وتصنع الحدث، وصنعت جيلاً ما زال السعوديون يذكرون إبداعاته.
وأشارت هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى أن «ذكريات» تعد «إضاءة وفاء لزمن الوفاء، ولمحة امتنان لجيل صنع بدايات البثّ التلفزيوني السعودي والعربي، ومن خلاله وصلنا اليوم إلى ما نحن عليه من الثراء في المحتوى، وفي الثقافة.

لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوجراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»