الكلام

سبحان الذي علّمنا الأسماء كلها، تبارك الذي ينفد البحر ولا تنفد كلماته، وإذا كان الأمر كذلك، فهل الكلام حقا من فضة بينما السكوت من ذهب؟

السكوت عن قول الحق، عن رد التحية، أو رد الإهانة، السكوت عندما ينبغي الكلام: كلمة عزاء، كذبة صغيرة بدافع الرحمة، تهنينة المولود عند البكاء، الاعتراف بالحق والاعتراف بالحب، هل هو أفضل من السكوت؟

يكون الصمت من ذهب حين يكون بديله الكذب، كذب الخداع والاحتيال، كذب التواطؤ والشر المبين، والشر المبيَّت والأذى المقصود، أو كذب الجبن والهروب وتجنب المواجهة بأي ثمن.

يكون الصمت من ذهب حين يكون الكلام إهانة وسخرية، أو تفاخرا وتكبّرا، أو تسولا يهدر الكرامة.

حين يكون الكلام من قسوة فالصمت رحمة، وحين يكون الكلام لفًا ودورانًا فالصمت خير الكلام، وحين يكون الكلام ثأثأة وفأفأة فالسكوت أبلغ الخطباء، ودرة العصر والأوان، وحين يكون الكلام بذيئا فالصمت سترة، وحين يكون الكلام غبيا فالصمت عبقري، وحين يكون متفاصحًا متصنعًا، فالصمت أفصح الكلام.

ولا تنتهي المقارنات التي في صالح الصمت، والأخرى التي تؤيد وتبايع الكلام، فهل يصل بنا الأمر إلى ذلك التساؤل الأبله: أيهما الأصل، البيضة أم الدجاجة؟

هل الصمت أصل الكلام، أم الكلام والد الصمت؟ أم هما كقابيل وهابيل، وجهان لعملة واحدة؟

وإذا كان الأمر هكذا، فأيهما القاتل، وأيهما المقتول؟ أيهما قابيل وأيهما هابيل؟ هل الصمت يقتل الكلام أم العكس؟ أم هما يتبادلان الطعنات؟ وهل يتآخيان أحيانا فيكملان بعضهما البعض، ويتبادلان لحظات لقاء المحبوب، أو العيش في البيت مع الزوج والأبناء، أو العلاقة مع الرؤساء والزملاء، أو حتى الشجار في الشارع أو مع الصديقات؟

المسألة كلها أن نعرف متى نسكت ومتى نتحدث، هنا يتحول الصمت والكلام من قطبين متعاكسين إلى هارمونية موسيقية يتجاوب فيها البيانو والكمان، ونخرج بهما من أي لقاء أو عتاب أو مجادلة أو مغازلة فائزين.

علَّم الله آدم الأسماء كلها، لكنه أوحى إليه أيضا متى يصمت، أمره بالكلام الطيب وحده أو الصمت، سبحانه لا تنفد كلماته وكلها طيبة، وربما كان ذلك هو القول الفصل في فضل الصمت على الكلام أو العكس: فالكلام الطيب أفضل من الصمت، وماعدا ذلك فالصمت خير من الكلام.

وصدق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حينما قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».