فتحت باب الغرفة بهدوء، وظلت واقفة تنظر إلى ذلك الملاك البريء الرائع وتبتسم بحب، وكأنها تريد لساعة الزمن أن تتوقف لتملأ عينيها بوجه أمها. وتنظر حيث انتهت للتو من صلاتها، ويداها تعبثان بذلك الصندوق..
شعرت «الأم» بدخول أحدهم، وبخفة أغلقت الصندوق وأعادته. فألقت ألقت أمل بنفسها بكل رفق في حضن والدتها التي أحاطتها بين ذراعيها، واستسلمت لها؛ لتترك تلك الأنامل السحرية تلعب بخصلات شعرها.
«كيف حالك الآن أمي؟»
«مادمت أراك سعيدة؛ فأنا بخير...»
شعرت أمل بالحزن والألم، ودفنت نفسها أكثر في ذلك الحضن الدافئ.
«الله لا يحرمنا منك» قالتها والعَبرة تخنقها.

***
قبل أربعة أشهر، كان كل شيء طبيعياً، كانت العائلة مشغولة للتجهيز لعرس أمل في أحد المجمعات التجارية، وكانت الأم تتسوق مع ابنتها، عندما شعرت بوعكة صحية، سقطت على إثرها فجأة.
كان الموقف مريعاً، كادت أمل تفقد عقلها، وبررت الأم الأمر بالإجهاد والتجهيز للعرس، ولكن الحالة بدأت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم؛ ليعلموا بعد الفحوصات أن الأم مصابة بالسرطان!!
وقع الخبر كالصاعقة على الجميع، وخصوصاً أمل.
لم تتوقع أن هناك شيئاً سيقتل فرحتها؛ خصوصاً أن الأمل بشفاء والدتها كان ضعيفاً؛ فحاولت إخفاء عبرتها والتحدث بصورة طبيعية، وهي تمسك الصندوق بيديها.
«أمي، ألم يحن الوقت لأن أعرف ما بداخله؟»
تبسمت الأم ابتسامة أضاءت وجهها الأصفر الشاحب، وضمت ابنتها أكثر إليها قدر ما تستطيع.
«أجمل لحظاتي يا بنتي هي أن أراك سعيدة بثوب زفافك الأبيض».

***
بعد يومين، كانت أمل كما تمنت أمها من أجمل البنات، عروساً كالبدر شق الظلام بنوره، تمشي بحياء وسط الحضور والفرحة تغمر الجميع، وقلب أمها يدق بسرعة.
زُفت إلى زوجها؛ لتعود الأم سعيدة راضيةً؛ لتشعر أن دقات قلبها تضعف شيئاً فشيئا، وبصعوبة أمسكت سجادتها وصلت وهي جالسة، انتهت لتضع الصندوق أمامها وتخرج ما في داخله.
وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..
تنفست بصعوبة؛ فسقطت فاقدةً الوعي، حملوها إلى المستشفى، وبقي ذلك السر الذي كانت أمل تشغل نفسها بالتفكير فيه.
تخيلت أنه ربما يكون هدية عرسها أو رسالة ما، أو صورة قديمة لها ذكرى، ولكن في الواقع كان شيئاً مختلفاً، علمت «أمل حقيقته» صباح اليوم التالي، كان حقيقة يهرب منها الجميع، أو يتناساها الناس، كان كفناً أبيضَ!!