مدونات سيدتي /خواطري

أقصى فراق

عندما تصل الأمور عند الآباء، نأبى سِيَر الرحيل!
تهزمُنا لحظات الوداع، ونرفض حجم ومساحة أي فراق..
ليس نقصاً في الإيمان..!! بل نريدهم من الثوابت، نجدهم حولنا أينما التفتنا على مد البصر!
نعتقد بأنهم يمتدون إلى مالا نهاية..! وجودهم مُحتّم ومتوقع كالسماء والشمس، نستيقظ بهم ومعهم!

وكأن الآباء لا يرحلون..!
أردنا العمر معهم يمضي وهم لا يهرَمون، لا يموتون!
نريدهم على أية حال!! ويكفينا وجودهم روحاً داخل جسد دافئ، و.. قابل للضم وللارتماء، و..
قد نكون في حبهم بقمة الأنانية!! وإن كانت راحتهم في غير ذلك.


بالأسبوع الماضي من هذا الشهر الفضيل، فقدت والدي، أتى خبر رحيله بأيام الحجر مُوجعاً لي
لخمسين سنة قادمة، و! عجزٌ في حجز..!
هو بمدينة وأنا بأخرى! وكأن الموت هنا (موتان)..
كنت ألتهم طرف الطريق.. ولكنه لم ينته! وكأنه يجتر نفسه من جديد!!
كنت أشهق وأتعوّذُ من «وعثاءِ السفر».. وأزفر بـ«اطوِ عنّا بُعده»..


يا رب أخرجني من بطن هذا الطريق، «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، كل المشاهد حولي كانت تجلس بصمت وحداد..
شواهد مُنكسة فارغة، كثبان وشجيرات تكره بعضها، ظل وضوء يتبادلان زيارتي.. وعزائي.. وبلحظة الغروب ذاب كل شيء! خلف المدى.. وبدت وحشة الطريق معنى ومضموناً..!
قبر بكل مكان، ووداع ضخم يشبه مغيب الشمس!! كيف أتخطى ألم الفقد! وأنا و..التي تتعلق بالأشجار بالطُرقِ، تطلق عليها سماءً..!! تتلفتُ إليها، ..

حتى تختفي!! كيف!! وأنا أخشى لحظة الهبوط، حين أقع بحُب طفل صغير، يقف على مقعدٍ في الطائرة!!! كيف أتجاوز.. انطفاء أيقونة العزة والإباء!!


كيف يتصدر اسمه قائمة الأموات بدعائي!! ويصبح حديثي عنه بصيغة الماضي!! وأنا من كنت أقدمه في كل الأمور أمامي!! فلا جديد معه ولا آتٍ.. توقف «منه» الدعاء!!!
لا «صباحات أعياد» يتصدر مجالسها!! ولا كفوف نُقبلها ونودعها!! أين أجد العزاء!!!


كيف أجتاز مسافات الفراق!!.. يا رب «اطوِ عني بعده».. أثره يتعدى الأشياء.. أثره متناثر.. مصحفٌ، مسبحة، وكُتيب.. له وقعٌ هنا...ونقشٌ هناك.. وصيتٌ طيب.. له بداخلي حضارات أُمم!! ومجلدات اختصرها بحكمة ترفع الهمم..


يتجلى أمامي، تتجسد صورته ما بين نور ورائحة عود وترتيل لسورة الرحمن.. (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ ۝
أثر الفقد هنا موجع.. ولا أدري إن كان سيزول!! يشبه الخواء، والسقوط من هاوية!!
يشبه الأطراف الباردة!!.. وأقرب للظمأ.. الذي لا يرتوي!


أُقبلك والدي فخراً واعتزازاً على رخام الجبين.. ودعائي سيبقى ملازماً لك حتى ترضى.. ليوم الدين.
الحمدلله من قبل ومن بعد..
اللهم ارحمه وارحم جميع موتى المسلمين.

أضف تعليقا

مقالات اخرى للكاتب

X