يكثرُ الحديثُ اليوم عن التميُّزِ، وكأنَّ الإنسانَ مُطالبٌ بأن يكون لامعاً في جانبٍ واحدٍ ليُرى ويُقدَّر!
نحن نُدفَع منذ وقتٍ مبكِّرٍ لملاحقةِ صورةٍ مثاليَّةٍ عن النجاح، ونُقارن أنفسنا بمعاييرَ لا تراعي اختلافَ الظروفِ، ولا تنوُّعَ التجاربِ، فننشغلُ بإثباتِ التميُّزِ أكثر من انشغالنا ببناءِ حياةٍ متوازنةٍ وصادقةٍ.
لكنْ هذا الفهمُ الضيِّقُ للنجاحِ لا يصنعُ ثراءً حقيقياً، ولا حياةً مستقرَّةً، ولا حريَّةً ماليَّةً مستدامةً، فالتركيزُ على جانبٍ واحدٍ من الحياة، مهما كان مهماً، لا يصنعُ إنساناً مكتملاً، بل يخلقُ فجواتٍ، تظهرُ لاحقاً في الصحَّةِ، أو العلاقاتِ، أو السلامِ الداخلي، أو القدرةِ على الاستمرار.
ومع مرورِ الوقتِ، أدركتُ أن التميُّزَ ليس دائماً الهدفَ الصحيح، وأن السعي المستمرَّ له قد يستنزفُ الإنسانَ بدلَ أن يرفعه. الحياةُ ليست مجموعةَ أدوارٍ منفصلة، وليست معركةً، نخسرُ فيها جانباً، لنربحَ آخرَ. كلُّ جانبٍ من حياتنا يُؤثِّر في الآخر بشكلٍ مباشرٍ وواضحٍ. عملك يتأثَّرُ إن أهملت صحَّتك، ونجاحك يتراجعُ إن تجاهلت مشاعرك، ونموُّك المهني يضعفُ إن انقطعت عن ذاتك، أو عن محيطك الإنساني.
حتى في عالمِ الأعمالِ، يُقال إن التوازنَ بين العملِ والحياةِ غير ممكنٍ. لكنَّني أرى أن المشكلةَ ليست في العملِ، بل في غيابِ التكاملِ الواعي. حين نُطوِّر جميعَ جوانبِ حياتنا، نُصبح أكثر قدرةً على الإنتاج، وأكثر حضوراً في اتِّخاذِ القرار، وأقلَّ عرضةً للاحتراقِ، أو التشتُّت. المرأةُ المتكاملةُ، تعملُ بذكاءٍ لا بإجهادٍ، وتبني دخلها خطوةً بخطوةٍ دون استنزافٍ.
في بداياتي، ظننتُ أن التميُّزَ يعني أن أكون مفهومةً من الجميع، لكنْ التجربةُ علَّمتني أن الاختلافَ لا يُفهَم دائماً، وأن بعضَ الطرقِ لا تُقدَّر إلا بعد وقتٍ. حينها تعلَّمتُ أن أفهمَ الآخرين دون أن أتشبَّه بهم، أو أن أفقدَ ذاتي.
اخترتُ أن أكون متكاملةً لا نسخةً مكرَّرةً، وأن أطوِّر من نفسي باستمرارٍ لا لأُرضي أحداً، بل لأعيش بانسجامٍ مع ذاتي ومع محيطي، فالتواصلُ الفاعلُ لا يعني التنازلَ، بل الوعي بالذاتِ، والمرونةَ في الأسلوب، والتكاملُ لا يعني الكمالَ، بل النضج، ولا يعني التخلِّي عن الطموح، بل توجيهه بحكمةٍ.
وحين ترتفعُ معاييرك في كلِّ جوانبِ حياتك، يُصبح النجاحُ، بما فيه النجاحُ المالي، نتيجةً طبيعيَّةً، لا هدفاً مرهقاً، تسعين خلفه دون توقُّفٍ.
واليوم، لا أقولُ إنني متميِّزةٌ. أقولُ بثقةٍ إنني متكاملةٌ. وهذا بالنسبةِ لي ليس مجرَّد وصفٍ، وإنما أسلوبُ حياةٍ، واختيارٌ واعٍ، يعكسُ نضجي الإنساني، ويقودني إلى نجاحٍ أكثر هدوءاً، وأكثر صدقاً، وأقربَ إلى السلامِ الداخلي الحقيقي.





