mena-gmtdmp

هل تصبح الرياض Silicon Valley الجديدة؟

ألطاف هندي
ألطاف هندي
ألطاف هندي

في اليومِ الوطني السعودي، سيكون الاحتفالُ هذه المرَّة بالمستقبل، إذ، وفي كلِّ عامٍ، يأتي اليومُ الوطني محمَّلاً بقصصِ الإنجازِ والتحوُّلِ، لكنَّني في العامِ الجاري أجدُ نفسي أنظرُ إلى المملكةِ من زاويةٍ مختلفةٍ قليلاً.

أنا لا أنظرُ فقط إلى ما تحقَّق، بل وأيضاً إلى ما يمكن أن يبدأ من هنا.

لسنواتٍ طويلةٍ، عندما نتحدَّثُ عن الابتكارِ وريادةِ الأعمالِ والاستثمارِ في الأفكارِ الجديدةِ، كانت أنظارُ العالمِ تتَّجه تلقائياً إلى Silicon Valley. هناك تبدأ الشركات، وهناك يبحثُ المستثمرون عن الفكرةِ المقبلة، وهناك تلتقي رؤوسُ الأموالِ بالمواهبِ والطموحات.

اليوم، أعتقدُ أن الخريطةَ بدأت تتغيَّر.

والسؤالُ الذي يستحقُّ أن نطرحه: هل يمكن أن تكون الرياض إحدى عواصمِ الابتكارِ الجديدةِ في العالم؟

ربما يبدو التشبيه بـ Silicon Valley طموحاً، لكنَّ الأرقامَ، والتحوُّلاتِ التي تحدثُ على الأرضِ، تجعلُ السؤالَ منطقياً، فالاقتصادُ غير النفطي السعودي الحقيقي وصلَ في 2025 إلى نحو 892 مليار دولارٍ، فيما بلغت مساهمةُ القطاعِ الخاصِّ 51% من الناتجِ المحلي الإجمالي. وفي الوقتِ نفسه، توسَّعت الاستثماراتُ في التقنيَّةِ، والسياحةِ، والثقافةِ، والترفيه، والرياضة، إلى جانبِ المناطقِ الاقتصاديَّةِ، والخدماتِ اللوجستيَّة.

لكنْ، ما يلفتني أكثر من حجمِ السوق، هو سرعةُ تكوُّنِ منظومةٍ جديدةٍ داخله من سوقٍ استهلاكي إلى سوقٍ يصنعُ الأفكار.

هناك فرقٌ كبيرٌ بين أن تكون الدولةُ سوقاً جاذبةً للشركات، وأن تتحوَّلَ إلى بيئةٍ، تستطيعُ أن تُولَد منها شركاتٌ وأفكارٌ جديدةٌ، وهنا تحديداً، أرى التحوُّلَ السعودي، فخلال أربعِ سنواتٍ تأسَّست أكثر من 1.050 شركةَ تقنيَّةٍ ناشئةً، وجمعت الشركاتُ المدعومة برأسِ المال الجريء نحو 2.4 مليار دولارٍ، فيما وصل حجمُ سوقِ تقنيَّةِ المعلوماتِ والاتِّصالات إلى 53 مليار دولارٍ، وفق تقريرِ رؤيةِ السعوديَّة 2030 لعامِ 2025.

لماذا الرياض؟

‏Silicon Valley لم تُصبح Silicon Valley بسببِ وجودِ شركاتِ التقنيَّةِ فقط، بل ونجحت أيضاً، لأنها صنعت منظومةً متكاملةً: مستثمرٌ، موهبةٌ، جامعةٌ، شركةٌ ناشئةٌ، شركةٌ عالميَّةٌ، تشريعاتٌ وشبكةٌ من الأشخاصِ الذين يؤمنون بأن الفكرةَ الصغيرةَ يمكن أن تُصبح شركةً بمليارات الدولارات. وما يحدثُ اليوم في الرياض، يحملُ بعض ملامحِ بناءِ هذه المنظومة، لكنْ بنسخةٍ سعوديَّةٍ مختلفةٍ.

السعوديَّةُ لا تحاولُ فقط استقطابَ التكنولوجيا، بل وتعملُ أيضاً على بناءِ اقتصادٍ تكون فيه التكنولوجيا جزءاً من قطاعاتٍ متعدِّدةٍ. وقد اختارت المملكةُ عامَ 2026، ليكون «عام الذكاءِ الاصطناعي» ضمن توجُّهٍ أوسعَ لبناءِ اقتصادٍ معرفي قائمٍ على البياناتِ والذكاءِ الاصطناعي.

وهنا، أرى السوقَ السعودي مثيراً للاهتمام: الفرصةُ ليست فقط في القطاعاتِ التي تنمو، بل وأيضاً في الأعمالِ الجديدةِ التي ستنشأ حول هذا النمو، والفرصةُ لمَن يقرأ السوقَ مبكِّراً، وفي ريادةِ الأعمال.

لقد تعلَّمنا أن الوصولَ إلى سوقٍ كبيرٍ أمرٌ جيِّدٌ، لكنْ الوصولُ إلى سوقٍ في مرحلةِ تحوُّلٍ قد يكون أكثر أهميَّةً، لأن الأسواقَ المتحوِّلةَ لا تحتاجُ فقط إلى مزيدٍ من الشركات، إنها تحتاجُ أيضاً إلى حلولٍ جديدةٍ لمشكلاتٍ جديدةٍ، وهذا يفتحُ البابَ أمامَ جيلٍ مختلفٍ من روَّادِ الأعمال: مَن يستطيعُ دمجَ التقنيَّةِ بالأزياءِ، والذكاءِ الاصطناعي بالتجزئة، والبياناتِ بتجربةِ العميل، والابتكارِ بالسياحةِ والضيافةِ والخدمات، لذا، وفي اعتقادي، لا يجبُ أن يكون السؤالُ اليوم بالنسبةِ إلى رائدِ الأعمالِ الخليجي، هو: هل السوقُ السعودي كبيرٌ؟

نحن نعرفُ الإجابةَ مسبقاً، لكنْ السؤالُ الأكثر أهميَّةً، هو: أين ستكون الفجوةُ المقبلةُ في هذا السوق، ومَن سيكتشفها أوَّلاً؟

رؤيةٌ صنعت سوقاً للفرصِ.. من أكثر الأمورِ التي أجدها لافتةً في رؤيةِ السعوديَّة 2030، أنها لم تعد بالنسبةِ لنا وثيقةً، نتحدَّثُ عن أهدافها المستقبليَّةِ فقط، فنحن اليوم أقربُ إلى رؤيةٍ نتائجها على شكلِ قطاعاتٍ، وشركاتٍ، واستثماراتٍ، وفرصٍ حقيقيةٍ، وهذا ربما الفرقُ بين الرؤيةِ والطموح.

اليوم الوطني والرهان على القادم

لهذا، وفي اليومِ الوطني السعودي، أجدُ أن أجملَ ما يمكن الاحتفالُ به، ليس ما تمَّ بناؤه فقط، بل وأيضاً المساحة التي أصبحت متاحةً لبناءِ ما لم يُوجد بعد. قد لا تحتاجُ الرياض إلى أن تكون نسخةً أخرى من Silicon Valley، وربما هذا هو الأجمل. قد تكون بصددِ صناعةِ نموذجها الخاصّ: نموذجٌ يجمعُ رأسَ المالِ، والطموحَ، وسرعةَ التنفيذِ، والتقنيَّةَ، إلى جانبِ موقعٍ استراتيجي بين أسواقِ العالم، ويمنحُ جيلاً جديداً مساحةً لبناءِ أفكاره من المنطقةِ بدلاً من البحثِ دائماً عن الفرصةِ خارجها.