عندما نتحدَّثُ عن القيادة غالباً ما نتخيَّل رؤساءَ الشركاتِ، أو أصحابَ المناصبِ التنفيذيَّة، لكنَّني أؤمنُ بأن أحدَ أهمِّ أدوارِ القيادةِ في المجتمع يبدأ من المنزل، فالأمُّ ليست فقط الراعيةَ لأبنائها، بل وهي في كثيرٍ من الأحيان القائدَ الحقيقي لمنظومةٍ متكاملةٍ، تُسمَّى الأسرة.
ومن واقعِ خبرتي في مجالاتِ الاستثمارِ، والتعليمِ، وبناءِ المنظومات، أجدُ أن هناك تشابهاً كبيراً بين دورِ الرئيسِ التنفيذي في المؤسَّسة، ودورِ الأمِّ داخل الأسرة، فكلاهما مسؤولٌ عن وضعِ الرؤية، وإدارةِ الموارد، والتعاملِ مع التحدِّياتِ اليوميَّة، وصناعةِ بيئةٍ تُساعد الآخرين على النموِّ والنجاح.
نجاحُ الأمِّ لا يُقاس بعددِ المهامِّ التي تُنجزها خلال اليوم، بل بالأثرِ الذي تتركه في أبنائها على المدى الطويل، فهي التي تزرعُ القيم، وتبني الثقةَ بالنفس، وتغرسُ حبَّ التعلُّمِ والانضباطِ وتحمُّلِ المسؤوليَّة. والطفلُ لا يتعلَّمُ من التوجيهاتِ فقط، بل ويتعلَّمُ أيضاً من القدوةِ التي يراها أمامَه كلَّ يومٍ.
وفي المملكة العربيَّة السعوديَّة، نرى اليوم نماذجَ ملهمةً لأمَّهاتٍ، استطعن التوفيقَ بين أدوارهن الأسريَّةِ والمهنيَّة مع المحافظةِ على دورهن المحوري في تنشئةِ الأبناء. ويعكسُ هذا التحوُّلَ الإيجابي الذي تعيشه المرأةُ السعوديَّة، ودورها المتنامي في بناءِ المجتمعِ والاقتصاد.
وكما تستثمرُ الشركاتُ الناجحةُ في تطوير موظَّفيها، تستثمرُ الأمُّ الناجحةُ في تطويرِ أبنائها، فهي لا تنفقُ فقط على احتياجاتهم اليوميَّة، بل وتستثمرُ وقتها وجهدها أيضاً في تعليمهم، وتنميةِ مهاراتهم، واكتشافِ مواهبهم. ويُحقِّق هذا النوعُ من الاستثمار أعظمَ عائدٍ يمكن أن تُحقِّقه أي أسرةٍ.
كما أن القيادةَ الحقيقيَّة لا تعني القيامَ بكلِّ شيءٍ، وإنما تمكينُ الآخرين، لذا لا تُربِّي الأمُّ الناجحةُ أبناءً يعتمدون عليها في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، بل تُربِّي أبناءً قادرين على التفكيرِ، واتِّخاذِ القرارِ، وتحمُّلِ المسؤوليَّة.
