في يوم التأسيس السعودي.. الفن في عصر الدولة السعودية الأولى

الفن في عصر الدولة السعودية الأولى (مصدر الصورة: الموقع الرسمي ليوم التأسيس السعودي)
الفن في عصر الدولة السعودية الأولى (مصدر الصورة: الموقع الرسمي ليوم التأسيس السعودي)

يُعتبر الفن أداة يستخدمها الإنسان للتعبير عن عواطفه واحتياجاته وآماله وآلامه، وهو لغة عالمية يستطيع كل الناس فهمها. الفن لا يقتصر فقط على كونه لغة تعبيرية، بل ذو وقع روحي ونفسي وعقلي، وبحسب "كتاب يوم التأسيس" الصادر عن دائرة الملك عبد العزيز؛ لم تخلُ الدولة السعودية الأولى منذ عصر التأسيس من الفنون وأنواعها التي تميزت بتنوعها وتميزها بين مختلف المناطق السعودية، فدعونا من خلال جولة داخل فصل "الفن في عصر الدولة السعودية الأولى"، وهو أحد فصول هذا الكتاب الشامل نتعرف إلى أنواع الفنون في عصر الدولة السعودية الأولى بمختلف مناطقها.

منذ قدم الأزمان

منذ البدايات، استخدم الإنسان الأدوات المتاحة من حوله في البيئة، وقام بتكييفها من استخدام العظام والخشب والقرع المجفف وأخواء الأشجار، حيث قام بشد جلود الحيوانات عليها لصنع الطبول، ومن ثَم تزيينها بالرسوم والزخارف الجميلة، كما ظهر المنشدون والشعراء الذين ينظمون القصائد التي تصور مشاعر المجتمع، سواء في الفرح أو الحزن، وتجمع الرجال في صفوف لترديد تلك القصائد بأصواتهم وهم يتماوجون بأجسامهم، فصار الشعر والموسيقى يمثلان النبض الحي للمجتمع بأفراحه وأحزانه.

الفنون في شبه الجزيرة العربية

عُرفت الفنون والموسيقى في شبه الجزيرة العربية منذ وقت طويل، حيث صنع الإنسان آلاته الخاصة من موارد الطبيعة، وأتقنها بما يتماشى مع رغباته وهواياته. وأصبح الشعر يعكس الحالة التي يعيشها الناس، معبراً عن فرحهم وحزنهم ومشاعرهم الدفينة. وقد امتلكت كل منطقة في الجزيرة العربية الواسعة آلاتها الموسيقية والفن الشعبي المميز؛ ما جعل التنوع في الفن جزءاً من التنوع الثقافي في عاداتها وتقاليدها.

لم تخلُ الدولة السعودية الأولى منذ عصر التأسيس من الفنون وأنواعها (مصدر الصورة: الحساب الرسمي ليوم التأسيس السعودي على منصة X)

الفن في شمال الدولة السعودية

الربابة كانت الآلة الموسيقية المحببة لسكان الشمال في الدولة السعودية، تتكون من وتر واحد مصنوع من جلد الغزال أو الذئب المدبوغ. تمثل الربابة روح موسيقى الصحراء الفاتنة، ولا تخلو المناسبات واللقاءات بين أهل الشمال من هذه الآلة؛ حيث يعزفون عليها ويستمعون إلى الشعراء وهم ينشدون قصائدهم سواء في الثناء على شخصيات ذات مكانة، أو الاحتفاء بمحاربين مرموقين، أو احتفالاً بمناسبة سعيدة. ويُضفي صوت الربابة المميز لمسة من الشجن والتأمل ويبعث السرور في النفوس. وقد برز عدد من الرجال بأصواتهم العذبة في هذا المجال، واستغل بعضهم ذلك في كسب العيش؛ إذ كان يستقبلهم شيوخ القبائل أو الشخصيات البارزة منهم ليعزفوا وينشدوا قصائد مختارة مقابل مكافآت مالية يتقاضونها.
كان يمكن للشاعر أن يستفيد من موهبته في تحقيق بعض من أهدافه الشخصية. على سبيل المثال، قام رجل بإرسال إبله للرعي في أرض قبيلة أخرى، وعلى الرغم من تحذيرات شيخ القبيلة بعدم إرسالها؛ فإنه أصر وفقد إبله عندما ماتت. رداً على ذلك، كتب صاحب الإبل قصائد وغناها بالربابة؛ ما دفع الشيخ لتعويضه بإبل جديدة عن تلك التي فقدها.

الربابة كانت الآلة الموسيقية المحببة لسكان الشمال في الدولة السعودية (مصدر الصورة: arabiafelix)

طقوس النساء

يذكر المصدر "كتاب يوم التأسيس" أن للنساء طقوسهن وأغانيهن، حيث كُن يلتقين في مناسبات مثل الأعياد والاحتفالات بجانب خيامهن، في أمسياتهن، مقسمات أنفسهن إلى مجموعات صغيرة تتألف عادة من ست أو ثمان أو عشر نساء، وذلك استعداداً للغناء. تبدأ المجموعة الأولى بالغناء مكررة البيت الأول خمس مرات، ثم تقوم البقية بترديد ما غنته المجموعة الأولى. البيت الثاني يُغنى بالطريقة ذاتها، وغالباً ما يكون البيت الثالث مخصصاً لتكريم أحد المحاربين المشهورين، ويُعاد عدة مرات.

الفن في غرب الدولة السعودية

في منطقة غرب الدولة السعودية، كان السكان مألوفين بالفن والموسيقى منذ زمان طويل؛ حيث امتلكوا أدواتهم الموسيقية الخاصة ورقصاتهم المتنوعة التي كانوا يمارسونها في المناسبات الاحتفالية والتجمعات. ومن أشهر الآلات عندهم كانت الطنبور، الآلة الوترية ذات الأصول الإفريقية، وأيضاً السمسمية التي تتألف من خمسة أوتار وتطورت لاحقاً إلى عشرين وتراً. كذلك، الناي، الذي يُعد من أقدم الآلات النفخية الخشبية التي صنعها الإنسان، وكان سكان الحجاز يستخدمون الطبل في موسيقاهم.

الناي يُعد من أقدم الآلات النفخية الخشبية التي صنعها الإنسان (مصدر الصورة: arabiafelix)


يذكر الرحالة شارل ديدييه في كتابه "رحلة إلى الحجاز" أنه خلال زيارته لينبع في عام 1270هـ/1854م، شاهد مجموعة من الأطفال يقرعون طبلة ويتراقصون، وقد وصف المشهد قائلاً:

أمـا فـي ينبـع فقـد رأيـت مشـهداً معاكسـاً؛ كان هنـاك فريـق مـن الأولاد، وأكبرهـم لا يتجـاوز الرابعـة مـن عمـره، و كانـوا يقيمـون حفلـة صاخبـة لـم يقطعهـا وجـودي بينهـم. كان أحـد الأولاد يقـرع بضربـات مزدوجـة علـى "دربوكـة" أكبـر منـه، وكان الآخـرون يرقصـون وقـد تحلقـوا وسـط الغبـار.

الرحالة شارل ديدييه (مصدر الصورة : Photographes Disderi & Cie., Paris - Fotografie)

وقد وصف شارل "الدربوكة" بأنها "طبلة ذات شكل بيضوي أكثر منها دائري، صُنعت من طين خشن وغُطيت بقطعة جلد". وكان للأطفال أيضاً آلة تُسمى "الحوامة" وهي عبارة عن صفارة يصنعونها من سيقان أحد النباتات.

الفن في وسط الدولة السعودية

شهد سكان وسط الدولة السعودية استخدام آلة الطبل، حيث كانت تستعمل في المعارك، وكذلك في الرقصات المحلية مثل العرضة والسامري. وقد أُشير إلى الطبل في أحد أشعار الشاعر ابن لعبون، وكان يُعرف في الزمن البائد باسم "الدمَـام"، وقد قال:

يا قارع الدمام سم واقرعه حيثك صبي للمراجل غلام
الصاحب اللي كز لي مدرعة عليه مني كل يوم سلام

وبحسب المصدر، تُوجد نوعيتان رئيسيتان للطبول: الأولى مصنعة من خشب الأشجار ومكسوة بجلد، تتميز بحجمها الكبير وتُعرف بمسمى "التخمير"، تُستخدم بشكل خاص في المناسبات الحربية وتُقرع باستخدام قبضة اليد. بينما الطبول الصغيرة، التي تحمل اسم "التثليث"؛ فهي تُستعمل في مظاهر الاحتفال مثل الأعراس وغيرها من المناسبات الاجتماعية.

الفن في شرق الدولة السعودية

احتفى سكان السواحل مثل البحارة وصائدي الأسماك واللؤلؤ في المناطق الشرقية للدولة السعودية، بالألحان البحرية التي تظهر مواهب الغناء لدى الصيادين؛ إذ يشدون بأناشيد بحرية عند إرساء الأشرعة وكذلك عند جمعها.

يقوم السكان المحليون باستخدام آلات موسيقية متنوعة، كالسمسمية، ويلعبون عليها فوق ظهور القوارب الشراعية. هذا النوع من الأغاني يرافق العمل في البحر، بالإضافة إلى استخدام الآلات الموسيقية الأخرى التي يفضلونها، وغالباً ما يكون البحارة هم من يتقن هذه الفنون؛ ما يجعل العمل أكثر متعة ويبعد الملل عنهم. وأحياناً، يلجأ بعض البحارة إلى استخدام الطبول والتصفيق ليساندوا أنفسهم في أثناء أداء المهام البحرية.

آلة السمسمية التي استخدمها سكان السواحل في شرق الدولة السعودية الأولى (مصدر الصورة: arabiafelix)

الفن في الصحراء

قام الرجال والنساء من مختلف الأعمار بتلحين الألحان التي كانت تُنشد على ظهور الإبل في ذلك العصر لتخفيف وطأة السفر، وهذا ما يُعرف بـ"الهجيني"، وكان يعبر الناس من خلاله عن محبتهم وتجاربهم الشخصية أو حالتهم النفسية من خلال الغناء على ظهور الإبل، وليس فقط على الإبل، بل إن الشعراء والمغنين قد اتخذوه لحناً في مجالسهم، والرعاة في أثناء وجودهم في البراري يلجؤون إليه للتسلية، والمسافرون في أثناء رحلاتهم على الإبل، وكذلك الفلاحون وهم يقودون حيواناتهم التي تجر الأدوات الزراعية ليحفزوها.
أما البدو الرُّحَّل الذين يركبون جمالهم ويتنقلون بحثاً عن الماء والكلأ في شبه الجزيرة العربية؛ فقد لعبوا دوراً محورياً في نشر لحن الهجيني في أماكن متعددة، فترعرع هذا الفن في عمق الصحراء وعلى لسان الرعاة. وعلى الرغم من أن هذا الغناء لا يؤدى مع إيقاعات موسيقية؛ فإنه يظل فناً جميلاً، خصوصاً إذا كان المؤدون يتمتعون بحلاوة الصوت؛ حيث يصبح الغناء شديد الجمال في ليالي الصحراء الساحرة. ومن أمثلة ذلك:

يا هل الهجن خذوا بهن شله اسروا الليل وأطراف الأيام كل شيء طراته على حله بدلوا سير الانضا بدرهام

كذلك قالوا:

يالهجن شلن بنا شله يا مكسرات المصاليبي
واسرن بنا ليلكن كله واردن بنا مارد الذيبي

"الهجيني" هي الألحان التي كانت تُنشد على ظهور الإبل في ذلك العصر لتخفيف وطأة السفر - (مصدر الصورة: DEA / ICAS94 / Contributo)

ومن الأنواع الشعبية التي لا تُستخدم فيها آلة موسيقية "الحدي" الذي يُنشد في أثناء سقاية الإبل من خلال استخراج الماء من البئر، وهو أحد أشكال الغناء الشعبي، وهناك أيضاً حدي المورد وحدي الخيل وحدي الإبل.
تابعوا المزيد: يوم التأسيس: جولة "سيدتي" في حي الطريف التاريخي العالمي