تحت سماء تحلّق فيها طيور مضاءة داخل الـGrand Palais، قدّم ماتيو بلازي Matthieu Blazy مجموعته لدار شانيل خلال أسبوع الموضة في باريس لربيع وصيف 2027، في عرض بدا كأنه رحلة بين الماضي والحاضر، لكن من دون الوقوع في فخ استعادة الأرشيف كما هو. وبعد عام على توليه منصب المدير الفني للدار، يواصل بلازي بناء رؤيته الخاصة لشانيل، مستنداً إلى رموزها الأساسية، لكنه يمنحها خفة وحيوية وشخصية أكثر تحرراً.
لم يتعامل المصمم مع إرث غابرييل شانيل بوصفه مجموعة من القواعد التي يجب الحفاظ عليها، بل كمساحة مفتوحة يمكن إعادة اكتشافها من زوايا مختلفة. والنتيجة كانت مجموعة تجمع بين التويد والبدلات والفساتين الشفافة والكورسيهات وأحذية الـCap-Toe الشهيرة، ضمن مقاربة عصرية تبدو مألوفة وفي الوقت نفسه جديدة.
بداية تختصر فلسفة بلازي

افتتح العرض بفستان أبيض شفاف وخفيف يلامس الجسم، تزيّنه وردة ذات ملمس ريشي عند الصدر، ونسّق مع حقيبة 2.55 الأصلية التي كانت تعود إلى غابرييل شانيل نفسها. ولم يكن اختيار اللون الأبيض بدلاً من الأسود، الذي ارتبط طويلاً بهوية شانيل، تفصيلاً عابراً. فقد عكس منذ الإطلالة الأولى رغبة بلازي في الكشف عن جانب مختلف من رموز الدار، وإعادة تقديمها من دون محو تاريخها. كما حمل الفستان إشارة إلى بدايات غابرييل شانيل كخياطة في مشغل للملابس الداخلية، ليصبح التصميم جسراً بين تلك المرحلة المبكرة من حياتها وبين شانيل المعاصرة.
قد يهمك أيضاً: صيحات لفتتنا منذ اليوم الأول لمهرجان فينيسيا السينمائي 2026
أرشيف شانيل بعيون جديدة

تعامل بلازي مع المجموعة وكأنها خط زمني، لكن ليس بهدف إعادة إنتاج مراحل تاريخية محددة، وإنما للكشف عن الطبقات المتعددة التي صنعت أسلوب شانيل. ولهذا ظهرت في المجموعة عناصر تستحضر عقوداً مختلفة في الإطلالة نفسها، من تأثيرات ثلاثينيات القرن الماضي إلى خمسينياته وتسعينياته، مع تفاصيل مكشوفة وطبقات داخلية تبدو وكأنها جزء من التصميم الخارجي. هذه الفكرة تعكس، بحسب رؤية المصمم، الطريقة التي تختار بها المرأة ملابسها اليوم؛ فهي لا تنتمي بالضرورة إلى حقبة واحدة، وإنما تمزج ما تحبه من عصور واتجاهات مختلفة لتصنع أسلوبها الخاص.
الخصر المنخفض يعود بروح معاصرة

برزت في المجموعة سلسلة من التنانير ذات الخصر المنخفض، المصنوعة من مزيج من البوكليه والصوف والأقمشة المحبوكة بألوان زاهية. واستعاد هذا التصميم واحدة من الأفكار التي ارتبطت بغابرييل شانيل، لكن بلازي أعاد تقديمها ضمن سياق معاصر، من خلال تنسيقها مع توبات مناسبة للسهرات، وقطع تانك، وسترات مطرزة بألوان حيوية. وهكذا بدت العناصر المعروفة من شانيل وكأنها أعيد تفكيكها وتركيبها بطريقة جديدة، أو كما وصفها بلازي، أصبحت أكثر "Chanel-ized".
مرح غابرييل شانيل يظهر في التفاصيل

لم تخلُ المجموعة من لمسات تعكس روح غابرييل شانيل المرحة وحبها للحياة. وظهر ذلك في بدلة بطبعات متضاربة مع ياقة مستوحاة من أسلوب الهارلكين باللونين الأزرق والبرتقالي، إلى جانب فساتين من التول مستوحاة من أزياء راقصات الباليه، مزجت بين خفة التول وبنية الكورسيه الإدواردي. كما عادت أحذية Cap-Toe الشهيرة في مجموعة من الصياغات والتنسيقات المختلفة، لتؤكد قدرة بلازي على التعامل مع أحد أكثر رموز الدار شهرة من دون تقديمه بالطريقة التقليدية نفسها.
الطيور تحكي رحلة غابرييل

كانت الطيور العنصر الأكثر وضوحاً في ديكور العرض، حيث حلّقت أسراب مضاءة من طيور السمامة والسنونو تحت سقف الـGrand Palais. واستلهم بلازي هذه الصورة من الطيور المهاجرة التي يراقبها خلال إقاماته في منطقة كالابريا الإيطالية، وربط حركتها برحلة غابرييل شانيل نفسها، التي انتقلت من بدايات متواضعة إلى تأسيس واحدة من أهم دور الأزياء في العالم. وأصبح الطائر هنا رمزاً للانطلاق والتحرر، وهي الفكرة التي أراد بلازي أن يربطها بتاريخ شانيل، بعيداً عن المعالجة التاريخية المباشرة.
بين الأنوثة والروح الرجالية

تجلت رؤية بلازي المعاصرة بوضوح في مجموعة من الإطلالات التي جمعت بين الأنوثة والملابس المستوحاة من الخزانة الرجالية. فقد ظهرت تنانير مينيه ذات طيات ناعمة، وتويد أكثر ليونة، وسترات بدلات ارتُديت مباشرة على البشرة، في صورة لامرأة تتحرك بين الأنوثة والجاذبية من جهة، والأسلوب الرجالي من جهة أخرى. ومن أبرز الأفكار التي طرحها المصمم تقديم بدلة شانيل بطريقة سهلة وعفوية، وكأن المرأة ترتديها بالطريقة نفسها التي ترتدي بها قميصاً قطنياً بسيطاً. وفي هذا التوجه تحديداً، تبدو شانيل تحت قيادة بلازي أقل تقيداً بالقواعد وأكثر قرباً من طريقة ارتداء المرأة للملابس في حياتها اليومية. قدّم بلازي أيضاً مجموعة من الإطلالات المستوحاة من تغيرات السماء، بدأت بألوان وإيحاءات الفجر، ثم انتقلت تدريجياً إلى أجواء الليل. ووصل هذا التسلسل إلى ذروته مع ظهور العارضة أنوك ياي Anok Yai بفستان مزين بطبعة تحاكي النجوم والكوكبات، في إطلالة بدت وكأنها تختصر الانتقال من الضوء إلى الظلام. وكان هذا التسلسل مثالاً آخر على الطريقة التي استخدم بها المصمم عناصر شاعرية وطبيعية من دون أن تتحول إلى فكرة مباشرة أو حرفية.
شانيل أخف وأكثر حرية

ما يميز مجموعة ربيع وصيف 2027 هو أن حوار بلازي مع الماضي لم يثقل التصاميم بمعانيها التاريخية. فعلى الرغم من كثافة الإشارات إلى غابرييل شانيل، بقيت الملابس خفيفة وعملية وقابلة للارتداء، مع مساحة واضحة للمرح والتجريب. ومن فستان التول الشفاف إلى التويد، والخصر المنخفض، والكورسيه، والبدلات، وأحذية الـCap-Toe، نجح المصمم في وضع رموز شانيل داخل لغة جديدة تتناسب مع المرأة المعاصرة. واختُتم العرض بإشارة موسيقية مرحة، مع مزيج من أغنية Gimme More لنجمة البوب بريتني سبيرز، بينما غادر الضيوف، ومن بينهم دوا ليبا ونيكول كيدمان وآيو إديبيري، أجواء العرض على إيقاع أكثر حيوية.
في النهاية، بدت مجموعة شانيل لربيع وصيف 2027 وكأنها لا تحاول إعادة الماضي إلى الحياة بقدر ما تسعى إلى تحريره من الجمود. فبالنسبة إلى ماتيو بلازي، إرث غابرييل شانيل ليس متحفاً من الرموز، بل قصة متواصلة من التحول والحرية، تماماً كالطائر الذي يحلّق بعيداً من دون أن يفقد طريقه.
تابعي أيضاً: أسبوع الموضة في باريس لربيع صيف 2027 ينطلق اليوم بمشاركة 68 دار أزياء


Google News