يشهدُ قطاعُ الجمالِ في السعوديَّة تحوُّلاً متسارعاً، تقودُه قاعدةٌ شابَّةٌ من المستهلكين الذين يتمتَّعون بحضورٍ رقمي قوي، ووعي متزايدٍ بالاتِّجاهاتِ والعلاماتِ العالميَّة. هذا التغييرُ لا ينعكسُ فقط على سلوك المستهلك، بل ويُعيد أيضاً رسمَ خريطةِ قطاعِ التجميل والتجزئةِ في البلاد، ويدفعُ العلاماتِ التجاريَّةَ العالميَّة إلى تعزيزِ حضورها، والاستثمارِ في الفرصِ الجديدة.
من العطورِ إلى العنايةِ بالبشرةِ، والمكياج، تُقدِّم مبدعاتٌ رؤيةً مختلفةً للجمالِ السعودي. هي رؤيةٌ لا تكتفي باستعادةِ عناصرِ التراث من العودِ، والبخورِ، والوردِ، وطقوسِ الضيافة، بل وتُعيد تفسيرها أيضاً بلغةٍ معاصرةٍ قادرةٍ على الوصولِ إلى جمهورٍ عالمي، فالسعوديَّةُ بالنسبةِ إليهن ليست مجرَّد مصدرِ إلهامٍ بصري، أو اسمٍ يُضاف إلى هويَّةِ العلامة، إنها كذلك ذاكرةٌ، وثقافةٌ، وذائقةٌ تنعكسُ بصورةٍ طبيعيَّةٍ في كلِّ مُنتَجٍ، وقِصَّةٍ، وتجربةٍ.
وفي هذا الملف، التقينا سارة الدهلوي، ويارا النملة، ومزن أشقر، ثلاثُ تجاربَ نسائيَّةٌ، تتقاطعُ في الشغفِ، وتختلفُ في المسارِ والرؤية. ما يجمعُ بينهن ليس فقط نجاحَ علاماتهن، بل وأيضاً الإيمان بأن الهويَّةَ لا تتعارضُ مع الطموحِ العالمي. على العكس، كلّما كانت القِصَّةُ أكثر صدقاً وخصوصيَّةً، أصبحت أكثر قدرةً على الوصولِ إلى العالم. هنَّ جيلٌ جديدٌ من رائداتِ الجمالِ اللاتي لا يبحثن عن مكانٍ لهن في السوقِ فحسب، بل ويعملن أيضاً على صناعةِ مساحةٍ جديدةٍ للجمالِ السعودي حيث تلتقي الجذورُ بالابتكار، والحِرفةُ بالطموح، والذاكرةُ برؤيةِ المستقبل.
سارة الراشد: انطلاقتنا الجمالية بدأت من ظروف الصحراء

في مشهد الجمال السعودي المتطور، تبرز أستيري Asteri كعلامة تنطلق من الهوية المحلية برؤية عالمية، أسستها سارة الراشد مستفيدة من خلفيتها في الهندسة المعمارية والتصميم لتقديم مفهوم جمال يستجيب لاحتياجات المرأة العربية ومناخ المنطقة.
في هذا اللقاء مع «سيدتي»، تتحدث سارة الراشد عن انتقالها من العمارة والتصميم إلى عالم الجمال، ومفهوم Sisters Under the Stars، وفلسفة Desert-Proof Beauty، إلى جانب مفهوم A-Beauty الذي يحمل منظوراً عربياً إلى الحوار العالمي حول الجمال.
بنيتِ مسيرة مهنية ناجحة في مجال الهندسة المعمارية للتصميم الداخلي في الخارج، قبل أن تعودي إلى السعودية وتؤسّسي أستيري Asteri، ما الذي ألهمكِ للانتقال من الهندسة المعمارية إلى عالم الجمال؟
لا أرى الهندسة المعمارية والجمال مجالين متباعدين؛ فقد علّمتني خلفيتي في التصميم التفكير في الإنسان والنسب والألوان والخامات، والأهم تصميم حلول تستجيب للاحتياجات الحقيقية.
عندما عدت إلى السعودية، بدأت أتساءل لماذا نُعدّ من أهم مستهلكات الجمال، بينما لا تُصمّم الكثير من المنتجات من منظورنا واحتياجاتنا. ومن هنا بدأت فكرة Asteri تتبلور خلال فترة كوفيد، بهدف بناء علامة تنطلق من السعودية بهوية ورؤية مستقلتين، وتطوّر منتجات تراعي واقع حياتنا ومناخنا. كانت الفكرة الأساسية: كيف يمكن أن يبدو الجمال إذا صُمم منّا، ولنا، ثم وصل إلى العالم؟
وُلدت Asteri من علاقتكِ الشخصية بالمكياج والعناية بالذات والفن، ومن رابطة الأخوة بين الشقيقات. كيف أسهمت هذه التجارب الشخصية في تشكيل هوية العلامة وفلسفتها؟
Asteri علامة شخصية جداً بالنسبة إليّ. نشأت وسط ثلاث شقيقات، وأصبح مفهوم الأخوّة ودعم النساء وإلهامهن لبعضهن جزءاً أساسياً من هوية العلامة. ومن هنا جاءت عبارة Sisters Under the Stars؛ فكلمة Asteri تعني «نجمة»، وأحببت فكرة أن لكل امرأة نورها الخاص، لكننا نتألق أكثر عندما نكون معاً.
كما يشكل الفن والتصميم جزءاً من لغة Asteri، من خلال الخط العربي والشعر وسماء الليل والألوان المستوحاة من الجزيرة العربية والرموز البدوية. لكنني أردت أن تتجاوز Asteri فكرة المكياج، ليصبح الجمال وسيلة للتعبير عن الذات، وطقساً يمنح المرأة الثقة ويجعلها تشعر بالرضا عن نفسها.
لمتابعة اللقاء مع سارة الراشد اضغط هنا
يارا النملة: الجمال ليس مظهراً فقط بل وشعور

منذ طفولتها، ارتبطَ الجمالُ لدى يارا النملة بوالدتها، وطقوسِ العنايةِ بالبشرةِ والعطر، لتكتشفَ مبكِّراً أن الجمالَ يتجاوزُ المظهرَ إلى الشعورِ والثقةِ بالنفس. وقد تحوَّلَ هذا الشغفُ إلى مسيرةٍ مهنيَّةٍ، بدأت بوصفها خبيرةَ مكياجٍ عامَ 2015، قبل أن تُؤسِّس علامتَي Treat، وMoonglaze.
ومن خلال تجربتها، تبنَّت يارا رؤيةً، تقومُ على إبرازِ جمالِ البشرةِ الطبيعي، وتحويلِ العنايةِ اليوميَّةِ إلى طقسٍ ممتعٍ، والمكياجِ إلى وسيلةٍ لتعزيزِ الإشراقةِ لا إخفائها. كذلك تستلهمُ من هويَّتها السعوديَّة رؤيتَها للجمالِ وريادةِ الأعمال، وتضعُ المرأةَ السعوديَّة واحتياجاتها في صميمِ علاماتها. في هذا اللقاء، تتحدَّثُ يارا عن رحلتها، وفلسفتها الجماليَّة، وهويَّتها السعوديَّة، وتُقدِّم رسالتها إلى رائداتِ الأعمال، كما تكشفُ عما تحمله المرحلةُ المقبلةُ من طموحاتٍ.
كيف بدأت علاقتكِ بعالمِ الجمالِ والعنايةِ بالبشرة، وكيف أثَّرت تلك التجاربُ المبكِّرةُ في مفهومكِ للجمالِ بوصفه أكثر من مجرَّدِ مظهرٍ؟
من أقدمِ ذكرياتي المرتبطةِ بالجمال مشاهدةُ والدتي وهي تستعدُّ، واهتمامها ببشرتها، واختيارها عطورها. كنتُ ألاحظُ كيف يمكن لهذه الطقوسِ الصغيرةِ أن تُغيِّر شعورها بالكامل. أعتقدُ أنني فهمتُ من خلالها للمرَّةِ الأولى أن الجمالَ لا يتعلَّقُ فقط بكيف نبدو، بل وأيضاً بكيف نشعر.
مع الوقتِ، أصبحتُ أكثر اهتماماً بالجانبِ العاطفي للجمال، فاللحظاتُ التي نمنحها لأنفسنا سواء أثناء تطبيقِ مستحضراتِ العنايةِ بالبشرة، أو وضعِ المكياج، أو حتى الاستعدادِ لبدايةِ اليوم، يمكن أن تتحوَّلَ إلى لحظاتٍ تُعزِّز الثقةَ بالنفس، والتعبيرَ عن الذات.
عندما تنظرين إلى الفتاةِ التي كنتِ عليها قبل أن تُصبحي خبيرةَ مكياجٍ ورائدةَ أعمالٍ ومؤسِّسةً لعلاماتٍ تجاريَّةٍ، ماذا تتوقَّعين أن يكون شعورها تجاه ما بنيته اليوم؟
أعتقدُ أنها ستكون فخورةً جداً، وربما متفاجئةً أيضاً. لم أتخيَّل يوماً أن شيئاً، بدأ من حبٍّ حقيقي للجمال، سيتحوَّلُ إلى بناءِ علاماتٍ، تصلُ إلى النساءِ في مختلفِ أنحاء السعوديَّة، وتُصبح جزءاً من روتينهن اليومي.
أكثر ما حرصتُ على الاحتفاظِ به من يارا الصغيرة، هو الفضول. كنتُ دائماً أطرحُ الأسئلة، وأُجرِّب، وأرغبُ في فهمِ سببِ نجاح شيءٍ ما بدلاً من اتِّباعِ ما هو موجودٌ فقط. ولا يزالُ هذا الفضولُ جزءاً أساسياً مني اليوم، خاصَّةً عند تطويرِ المنتجات. أحرصُ على فهمِ المكوِّناتِ، والقوامِ، والفوائدِ، والتجربةِ الكاملة، لأنني أريدُ أن يكون لكلِّ مُنتَجٍ هدفٌ حقيقي.
لمتابعة اللقاء مع يارا النملة اضغط هنا
مزن أشقر: الجمال من الأرض إلى المرأة

من ذكرياتِ الطفولةِ في صالونِ والدتها، وعشقِ العطورِ، والفنونِ، والحِرفِ اليدويَّة، بدأت علاقةُ مزن أشقر بعالمِ الجمال، ومن حفلةِ سبا بسيطةٍ لصديقاتها، وُلِدَت فكرةُ MZN Bodycare التي تحوَّلت تدريجياً من مشروعٍ منزلي إلى علامةٍ سعوديَّةٍ متخصِّصةٍ في منتجاتِ العنايةِ المصنوعة يدوياً. وبخلفيَّتها في التصميم، طوَّرت مزن رؤيةً، تعدُّ المُنتَج تجربةً متكاملةً، تجمعُ بين الجودةِ، والهويَّةِ، والقِصَّةِ، والحِرفيَّة. وفي رحلتها، تستلهمُ المصمِّمةُ من التراثِ السعودي، وطقوسِ الجمالِ المتوارثة، ومن ثقافةِ الإهداءِ والاحتفاء.
حدِّثينا عن ذكرياتكِ الأولى مع عالمِ الجمالِ والعنايةِ بالجسم والمنتجاتِ المصنوعةِ يدوياً، وكيف أثَّرت نشأتُكِ في عائلةٍ تُقدِّر الفنَّ والحِرفَ اليدويَّة، خاصَّةً والدتكِ التي كانت معلِّمةَ فنونٍ، في علاقتكِ بالإبداعِ والحِرفيَّة؟
أولى ذكرياتي مع الجمالِ كانت عند تسريحةِ والدتي. كنتُ أكتشفُ منتجاتها، وأُجرِّب عطورها، وأرتدي أحذيتها ذات الكعبِ العالي. كانت والدتي، كذلك، تملك صالونَ تجميلٍ، لذا كبرتُ وأنا قريبةٌ من طقوسِ الجمالِ والعناية. أيضاً كان الفنُّ، والحِرفةُ حاضرَين دائماً في بيتنا، وهذا ما ولَّدَ لدي حبَّ الاكتشافِ والإبداع، وعزَّزَ تقديرَ الأشياءِ المصنوعةِ يدوياً.
بدأتِ قِصَّةَ MZN Bodycare من لحظةٍ شخصيَّةٍ جداً عندما قرَّرتِ ابتكارَ منتجاتٍ يدويَّةٍ للعنايةِ بالبشرةِ من أجل تقديمها بوصفها هدايا في حفلةِ سبا، ما أكثر ما تتذكَّرينه من تلك التجربةِ الأولى، ومتى أدركتِ أن هذا المشروعَ الصغير يمكن أن يتحوَّلَ إلى علامةٍ تجاريَّةٍ حقيقيَّةٍ؟
بدأت الفكرةُ عندما استضفتُ حفلةَ سبا لصديقاتي، وبما أنهن من مجالِ التصميم، أردتُ حينها أن تكون الحفلةُ مميَّزةً في كلِّ تفاصيلها، لذا صنعتُ الهدايا بنفسي، وصمَّمتُ لها ملصقاً، وهويَّةً بسيطةً. كنا نُدرِّس التصميمَ الجرافيكي، فاخترتُ اسم MZN، وصمَّمتُ شعاراً على سبيلِ المزاح. بعد الحفلةِ، طلبت صديقاتي إعادةَ تعبئةِ المنتجات، وهنا شعرتُ بأن الفكرةَ تستحقُّ أن آخذها بجديَّةٍ. تالياً، اختبرتُ السوق من خلال المشاركةِ في بعض الأحداثِ والفعاليَّات، ومن هناك بدأ MZN يتحوَّلُ إلى مشروعٍ حقيقي.
لمتابعة اللقاء مع مزن أشقر اضغط هنا
سارة الدهلوي: نشأت في ثقافة تعد العطر جزءاً من الحياة

منذ طفولتها، ارتبطت سارة الدهلوي بالعطورِ بوصفها ذاكرةً، تحملُ الأشخاصَ، والأماكنَ، والمشاعر قبل أن تتحوَّل هذه العلاقةُ إلى شغفٍ مهني، قادها إلى تأسيسِ Maison Dahlawi. وبين دراسةِ إدارةِ الأعمال، والتخصُّصِ في صناعةِ العطورِ بالمدرسةِ الفرنسيَّة Cinquième Sens، جمعت سارة بين الرؤيةِ التجاريَّة، والحسِّ الإبداعي، لتُقدِّم عطوراً، تبدأ من الإحساسِ قبل المكوِّنات. وهي تستمدُّ هويَّتها العطريَّة من جذورها السعوديَّة، ومن إرثِ العودِ، والبخورِ، والورد، وطقوسِ الضيافة، هذا مع إعادةِ تقديمها بلغةٍ معاصرةٍ، وحسٍّ فرنسي راقٍ. في هذا اللقاء، تتحدَّثُ سارة عن الهويَّةِ السعوديَّة، وطموحاتها لمستقبلِ Maison Dahlawi، كاشفةً عن حلمها بتحويلها إلى دارٍ متكاملةٍ، تمتدُّ من العطورِ إلى الجمالِ، والتصميمِ، والأثاث.
ما أولى ذكرياتكِ مع العطور، ومتى أدركتِ أن العطرَ يمكن أن يتحوَّلَ من شغفٍ شخصي إلى لغةٍ إبداعيَّةٍ، تُعبِّرين من خلالها عن نفسكِ؟
لا أستطيعُ أن أفصلَ ذاكرتي عن الرائحة. بالنسبةِ لي، العطرُ لم يكن يوماً مجرَّد شيءٍ نضعه قبل أن نخرجَ من المنزل، بل كان مرتبطاً بالأشخاصِ، والأماكنِ، والمراحلِ، والمشاعر. بعضُ الروائحِ تستطيع أن تُعيدني إلى زمنٍ كاملٍ في لحظةٍ واحدةٍ، وربما، لهذا السببِ بدأت علاقتي بالعطرِ بوصفها علاقةً عاطفيَّةً قبل أن تُصبح مهنيَّةً. مع الوقتِ، أدركتُ أن ما يجذبني ليس فقط أن يكون العطرُ جميلاً، وإنما ما الذي يقوله أيضاً؟ وما الشعورُ الذي يتركه؟ وما الصورةُ التي يرسمها في الذاكرة؟ هنا بدأ التحوُّلُ الحقيقي بالنسبةِ لي.
درستِ إدارةَ الأعمالِ قبل أن تتخصَّصي في صناعةِ العطور، وتتخرَّجي في مدرسةِ Cinquième Sens الفرنسيَّة، كيف أثَّرت هذه الرحلةُ المختلفةُ في رؤيتكِ للعطور، وفي طريقةِ بناءِ Maison Dahlawi؟
أعتقدُ أن اجتماعَ المجالَين كان من أكثر الأشياءِ التي خدمتني في بناءِ Maison Dahlawi. دراسةُ إدارةِ الأعمال علَّمتني أن أنظرَ إلى العلامةِ بوصفها منظومةً كاملةً، أمَّا دراسةُ صناعةِ العطور في فرنسا، فأعطتني الجانبَ الآخر تماماً: الدقَّةُ، وفهمُ الموادِّ الخام، والبناءُ العطري، والتوازنُ بين الجانبِ التقني والحسِّ الإبداعي. مع ذلك، الأهمُّ أنني عندما دخلتُ عالمَ العطور أكاديمياً، لم أعد أتعاملُ معها بوصفها منتجاتٍ جميلةً فقط. بدأتُ أفهمُ لماذا تُؤثِّر تركيبةٌ معيَّنةٌ فينا، وكيف يمكن لمادةٍ خامٍ واحدةٍ أن تُغيِّر مزاجَ العطرِ بالكامل، وكيف يمكن بناءُ قِصَّةٍ باستخدامِ الرائحة. عليه، أحاولُ دائماً في Maison Dahlawi أن أوازنَ بين عقلِ صاحبةِ المشروع، وحساسيَّةِ صانعةِ العطر.
لمتابعة اللقاء مع سارة الدهلوي اضغط هنا
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News