من أكثر المواقف التي تثير الخوف والارتباك لدى الأم أن تلاحظ فجأة أن طفلها وضع شيئاً غير مخصص للأكل في فمه، أو أن قطعة من الطعام توقفت في مجرى التنفس وجعلته يسعل أو يختنق، فبينما تبدو الثواني في هذه اللحظة طويلة ومخيفة؛ فإن معرفة الفرق بين البلع العرضي لجسم غريب وبين الشرقة التي تسد مجرى التنفس عند الطفل، ومعرفة التصرف الصحيح في كل حالة؛ تساعد الأم على اتخاذ قرار سريع وآمن بدلاً من التصرف بعشوائية قد يزيد المشكلة سوءاً.
أولاً: هل الطفل ابتلع شيئاً أو أن الشيء دخل مجرى التنفس؟

الخطوة الأولى هي محاولة معرفة ما حدث؛ لأن ابتلاع جسم غريب لا يعني بالضرورة أن الطفل يختنق، فإذا كان الطفل يتنفس بصورة طبيعية، وقادراً على الكلام أو البكاء أو السعال، ولا تظهر عليه علامات ضيق التنفس؛ فقد يكون الجسم قد وصل إلى المريء والمعدة بدلاً من مجرى الهواء، وهنا يختلف التصرف تماماً عن حالة الاختناق.
أما إذا كان الطفل يحاول التنفس ولا يستطيع، أو لا يستطيع الكلام أو البكاء، أو أصبح صوته ضعيفاً جداً، أو ظهر عليه تغير في لون الشفاه والوجه، أو أمسك عنقه بيديه، أو كان السعال صامتاً وغير فعَّال؛ فهذه علامات على أن مجرى الهواء قد يكون مسدوداً، وتصبح الأولوية هي التعامل مع الاختناق فوراً وطلب المساعدة الطبية الطارئة.
إذا كان الطفل يسعل بقوة
إذا كان الطفل يستطيع السعال بقوة والتنفس بين نوبات السعال، فلا تحاولي إدخال أصابعك في فمه بحثاً عن الجسم، ولا تضربي ظهره عشوائياً، ولا تحاولي إعطاءه الماء أو الطعام لدفع الشيء إلى الأسفل، بل شجعيه على الاستمرار في السعال وراقبيه عن قرب؛ لأن السعال الفعَّال هو إحدى أهم الطرق الطبيعية التي يحاول بها الجسم طرد الجسم الغريب من مجرى التنفس.
وفي هذه اللحظات تحديداً، من المهم ألا تتركي الطفل وحده، وأن تستعدي للتدخل إذا أصبح السعال ضعيفاً أو توقف الطفل عن القدرة على التنفس أو الكلام؛ لأن حالة الانسداد قد تتغير بسرعة.
إذا كان الطفل لا يستطيع التنفس أو الكلام
عندما يكون الطفل واعياً لكنه لا يستطيع التنفس أو الكلام أو البكاء بشكل طبيعي، أو أصبح السعال غير فعَّال؛ فهذه حالة اختناق طارئة توجِب طلب خدمات الطوارئ فوراً، مع بدء الإسعافات المناسبة لعمر الطفل إذا كنتِ مدربة عليها.
بالنسبة إلى الرضيع دون عمر سنة، توصي إرشادات الإسعافات الأولية بإعطائه خمس ضربات على الظهر بين لوحي الكتف، مع دعم الرأس والرقبة، ثم خمس ضغطات صدرية، وتكرار التسلسل حتى خروج الجسم أو وصول المساعدة، مع الانتباه إلى عدم إجراء الضغطات البطنية للرضيع.
أما الطفل الأكبر من سنة الذي يعاني من انسداد شديد في مجرى التنفس؛ فتُستخدم ضربات الظهر مع الضغطات البطنية وفق إرشادات الإسعافات الأولية المناسبة للأطفال، ويجب الاستمرار في طلب المساعدة الطبية وعدم ترك الطفل بمفرده.
ومن المهم جداً أن تتعلم الأم هذه الخطوات عملياً في دورة معتمدة للإسعافات الأولية؛ لأن قراءة التعليمات وحدها لا تعادل التدريب العملي، خصوصاً أن التعامل مع الرضيع يختلف عن التعامل مع الطفل الأكبر.
لا تحاولي إخراج الجسم بأصابعك

من الأخطاء الشائعة أن تحاول الأم إدخال أصابعها داخل فم الطفل للوصول إلى الجسم الغريب، لكن هذه الحركة قد تدفع الجسم إلى عمق أكبر داخل مجرى التنفس، ولذلك لا ينبغي محاولة إخراجه باليد إلا إذا كان ظاهراً بوضوح ويمكن التقاطه بسهولة، أما إذا لم يكن مرئياً فلا ينبغي البحث عنه بالأصابع.
كما لا ينبغي هز الطفل أو تعليقه من قدميه أو إعطاؤه الماء في أثناء الاختناق، ولا محاولة إجباره على ابتلاع لقمة أخرى بهدف دفع الجسم إلى المعدة؛ لأن هذه التصرفات قد تؤخر التدخل الصحيح أو تزيد الانسداد.
ماذا لو ابتلع الطفل جسماً غريباً لكنه يتنفس طبيعياً؟
إذا ابتلع الطفل شيئاً صغيراً وأصبح يتنفس بشكل طبيعي، ولا توجد علامات اختناق أو ألم شديد أو قيء متكرر؛ فقد يمر الجسم عبر الجهاز الهضمي من دون مشكلة، لكن القرار يعتمد بصورة كبيرة على نوع الجسم وحجمه وشكله وعمر الطفل والأعراض التي ظهرت بعد الابتلاع.
وهناك أجسام تستلزم تقييماً طبياً عاجلاً حتى لو بدا الطفل بخير، ومن أهمها بطاريات الزر أو البطاريات القرصية، والمغناطيسات، والأجسام الحادة أو المدببة، والأجسام الكبيرة أو الطويلة، وكذلك المواد الكيميائية أو الأدوية؛ لأن بعضها يمكن أن يسبب إصابات خطيرة في المريء أو الأمعاء أو يؤدي إلى تسمم.
وبالنسبة إلى بطارية الزر تحديداً، يجب التعامل مع ابتلاعها كحالة طارئة؛ لأن بقاءها في المريء قد يؤدي إلى أذية شديدة خلال فترة قصيرة، ولذلك ينبغي طلب المساعدة الطبية العاجلة وعدم انتظار ظهور الأعراض.
أما إذا كان الطفل قد ابتلع دواءً أو مادة تنظيف أو مادة كيميائية؛ فلا تحاولي إحداث القيء ولا تعطيه الطعام أو الشراب من تلقاء نفسك قبل الحصول على توجيه طبي، بل اتصلي بالطوارئ أو مركز السموم المحلي واذكري اسم المادة والكمية التقريبية والوقت الذي حدث فيه الابتلاع وعمر الطفل ووزنه إن أمكن.
علامات توجِب الذهاب للطوارئ بعد ابتلاع جسم غريب

حتى إذا بدا الطفل مستقراً في البداية، يجب طلب التقييم الطبي العاجل إذا ظهرت عليه صعوبة في التنفس، أو سعال مستمر، أو صفير أو صوت تنفس غير معتاد، أو صعوبة في البلع، أو سيلان لعاب بصورة غير معتادة، أو ألم في الصدر أو البطن، أو قيء متكرر، أو دم في القيء أو البراز، أو خمول غير معتاد، أو رفض مستمر للطعام والشراب.
وفي بعض الحالات قد يستمر الطفل في السعال أو إصدار صوت تنفسي غريب بعد أن تعتقد الأم أن الجسم خرج، وهنا لا ينبغي افتراض أن المشكلة انتهت؛ لأن جزءاً من الجسم الغريب قد يكون بقي في مجرى التنفس، ولذلك يحتاج الطفل إلى تقييم طبي.
ماذا تفعلين بعد انتهاء الشرقة؟
حتى إذا خرج الجسم وعاد الطفل إلى التنفس الطبيعي، راقبيه جيداً، خصوصاً إذا كانت الشرقة شديدة أو استمرت فترة، وإذا بقي السعال أو ظهرت صعوبة في التنفس أو تغير صوت الطفل أو أصبح يتنفس بسرعة أو بدا مرهقاً؛ فمن الأفضل طلب التقييم الطبي.
ولا ينبغي إعطاء الطفل الطعام فوراً لمجرد اختبار قدرته على البلع، بل يمكن اتباع توجيه الطبيب أو المسعف بحسب الحالة، خصوصاً إذا كانت الشرقة شديدة أو كان هناك احتمال لإصابة في مجرى التنفس.
الوقاية تبدأ من المائدة والبيت

أفضل طريقة لتقليل حوادث الاختناق هي معرفة الأطعمة والأشياء التي تشكل خطراً؛ لذلك ينبغي تقديم الطعام للطفل بما يتناسب مع عمره وقدرته على المضغ، وتقطيع الأطعمة المستديرة والقاسية إلى قطع مناسبة، وتجنب تقديم المكسرات الكاملة والعنب الكامل وقطع النقانق والأطعمة القاسية أو الدائرية بالشكل الذي قد يسد مجرى التنفس لدى الأطفال الصغار.
كما يجب إبعاد العملات المعدنية والبطاريات والمغناطيسات والألعاب الصغيرة والخرز والأغطية والأجزاء القابلة للفصل عن متناول الطفل، وعدم الاعتماد على عبارة "هو يعرف ألا يضعها في فمه"؛ لأن الأطفال الصغار يتعلمون العالم عن طريق الفم وقد يبتلعون الأشياء خلال ثوانٍ.
ومن المهم أيضاً أن يتناول الطفل طعامه وهو جالس وتحت مراقبة شخص بالغ، وألا يأكل في أثناء الجري أو اللعب أو الاستلقاء، لأن الهدوء في أثناء تناول الطعام يقلل من مخاطر الشرقة.
أهم ما يجب أن تتذكريه
عندما يبتلع الطفل شيئاً غريباً، لا يعني ذلك تلقائياً أنه في خطر، لكن نوع الجسم والأعراض التي تظهر عليه هما العاملان الأهم في تحديد درجة الاستعجال، أما عندما يعجز الطفل عن التنفس أو الكلام أو السعال بفعالية؛ فالموقف يتحول إلى طارئ يستدعي طلب المساعدة والبدء بإسعافات الاختناق المناسبة لعمره.
ولهذا فإن أفضل استعداد للأم لا يتمثل فقط في حفظ خطوات الإسعاف، وإنما في الحصول على تدريب عملي معتمد على إسعافات الرُّضَّع والأطفال، والاحتفاظ بأرقام الطوارئ ومركز السموم في مكان واضح، ومعرفة أن البطاريات القرصية والمغناطيسات والأجسام الحادة والأدوية والمواد الكيميائية ليست من الأشياء التي يمكن انتظار مرورها تلقائياً، بل تحتاج إلى تقييم طبي عاجل؛ لأن التصرف الصحيح في الدقائق الأولى قد يكون مهماً جداً في حماية الطفل من مضاعفات خطيرة.
تابعي أيضًا...الأسباب الأكثر شيوعاً لاختناق الرُّضَّع.. وكيف يمكن إسعاف طفلك؟


Google News