
كرم منتدى الإعلام العربي صاحبَ جريدة "السفير" الأستاذ طلال سلمان باختياره "شخصية العام الإعلامية وذلك في "منتدى دُبَيْ الثامن" . وللمناسبة، دعت "دار الندوة" في بيروت، الى لقاء تكريمي للمحتفى به، شاركتُ خلاله بالكلمة التالي نصُّها:
<<<
في هذا الزمان، حيثُ كلّما تقاربَ الناسُ، تباعدوا...
وفي هذا الزمان الذي بلغ عنده التواصُلُ مرتبةً عجائبية، إذ «بكبسة زر» بات بوسع المرء ان يقفز من كرسيه خلفَ المكتب، أو من مصنعه أو الجامعة، ليبلغَ أقصى مدى في الكون.
وفي هذا الزمان، الذي حقّق أحلامَ العلماء، وكُتّابَ الخيال العلمي...
إنما فيه كذلك، نرى الناسَ، وقد باتوا، ولأسباب منوّعة، ومختلفة، أعداء، وإن لم يتقاربوا أو يتعارفوا.
فما الذي يجري فوق هذه الكرة الأرضية؟... ونحن جزءٌ منها، ولا يزيد عن حجم ذرّة؟... لكننا معنيون بكل أحداثها، وأفعال أبنائها، وذلك بفضل هذا التقدّم العلمي، والإعلامي، والذي يسعى ليجعلنا نتقارب؛ بينما نُمعنُ في المعاكسةِ والمخالفةِ، فنتباعد.
<<<
قبل نصف قرنٍ طرحتِ الكاتبة الأميركية الساخرة «دوروثي باركر» سؤالاً مُهمّاً: لماذا تراجعَ المرحُ من صفحاتِ الكتبِ والصحف؟...
ولماذا تُخيِّمُ الكآبةُ على معظمِ ما يُنشر؟ وهل يحصلُ ذلك كلُّه بسببِ اكتشافِ القنبلة الذرّية؟
<<<
وأنا، بكل بساطةٍ وتواضعٍ، أطرحُ سؤالاً مُقارباً، وبقياسِ حجمِنا: لماذا هذا العداءُ المستحكمُ بأجوائنا؟... ولماذا تلك النبرةُ المتحدّية؟... وتكاد تكون قاتلة، ويُطلقُها من هُم في مراتبِ المسؤولية، أو أنّهم مرشّحون لبلوغها؟
<<<
وهي ليست سوى تساؤلاتٍ ساذجة، شعرتُ أنه عليّ البدءُ بها، ونحن في هذه المناسبةِ المختلفة، والمضيئة. ولا تصبُّ في قناةِ مرشّحٍ للنيابة، أو تُجيَّرُ لحسابِ أحد الزعماء!
<<<
بل إنها مناسبة تكريم بامتياز، لقلمٍ شهم، نبيل، وعصامي، كادح ومتواضع. ومِن أُولى صفاتِه الوفاءُ والإخلاصُ لأفكاره وقَناعاتِه وإيمانه.
وهو الوفيُّ الوفاءَ كلَّه، للأصدقاءِ والرفاق، وخصوصاً لجذورِه، بدءاً بالعائلة، وحتى آخر قُرميّة سنديان، أو غصنِ شجرةِ من بقاعِه الخيِّرِ المعطاء.
<<<
طلال زميلُ قلم.
ومثلما بدأتُ، كانت بداياتُه.
التقينا لبضع سنوات في «دار الصياد»، مدرسةِ الصحافةِ بامتياز... وقد خرّجتْ في عهدِ مؤسِّسِها، الأستاذ «سعيد فريحة» عشراتِ الأقلام، ولا يزال غرسُها يُؤتي ثماراً يانعة، وحيثُما كُتبت، أو قرئتِ الصحافةُ العربية.
<<<
لا أذكرُ أننا كنا نلتقي سوى في الإجتماعاتِ العملية؛ إنما كنتُ ألاحظُ جُرأةَ هذا الصحافي وإخلاصَه لقلمهِ ومهنتِه، كما للحقيقة، ولا يخشى المواجهَة.
وقد تواصلتْ صداقتُنا، وحتى بعدما غادرتُ العملَ في الصحافة لأتواصلَ مع الأدب.
واستمرّتْ بيننا علاقةُ احترامٍ متبادَل، ومحبّةُ صداقةٍ وأُخُوّة، انتقلتْ الى اسرتينا.
<<<
لقد كنتُ، ولا أزال، أرى لدى طلال، في سعيهِ، ومثابرتِه وإصرارِه على مسيرةِ الصعود، مثالاً للعصاميّ المقاومِ لكلِّ الأسباب التي تُحجّمُ الإنسان؛ وقبل أن يولد في بعض الأحيان. وهذه ميزةٌ جعلتْهُ يقفُ دائماً، الى جانبِ «الغَلابى» والمقهورين.
وبفضلِ إخلاصِه، مثابرته وسعيه، وتواضعِهِ الجمّ، تابع الفتى رحلتَهُ التصاعديةَ فوق سلّمِ التقدّم المهني والإنساني.
<<<
لم يولد طلال في عائلة صحافية أدبية، لكنّه أنشأ تلك العائلة، ورعاها بكل الجِدِّ والإخلاص، حتى أصبحتِ «السفير» مؤسّسةً كبرى، وشجرةً وارفةَ الظلال، ويتفيّأ أجنحتَها أسرابُ البلابلِ والنسور.
<<<
وإذا قيل إنّ وراءَ كلّ عظيمٍ إمرأة، فإن وراء هذا الرجل أكثرَ من امرأة، بدءاً بالوالدة الملائكيةِ الحضور، وكانت مؤمنةً بالله، وبما وَهَبَتِ الحياةَ من خَلفتها؛ فظلّتْ تقتفي خُطاهم بالرعايةِ والتبريك.
الى رفيقةِ العمر، الحاضنةِ الرجلَ ومواهبَه؛ وتبقى واقفةَ في الظلّ، معظمَ الأحيان، لكي يظلَّ نورُه ساطعاً، ودائمَ التوهُّج بأفضلِ ألق؛ الى الإبنةِ (وأعني الإبنتين) ويرى فيها كلَّ أسبابِ الفخرِ والإعتزاز.
<<<
ومثلما ظلّتِ الشجرةُ الصحافية التي غرسها طلال، وارفةَ الظلال: دائمةَ الإزدهار، وخيِّرةَ الثمار، هكذا هي عائلتُهُ من بنين وبنات؛ وتُبادِلُهُ الفخرَ والإعتزاز؛ وتمدُّه بالمُؤازرة، الثقة، والإيمانِ به، وبما وهَبَهُ اللهُ من ثَراءٍ في كلٍ من المجالِ المهني، الخُلُقي والإنساني.
<<<
مُستَحَقٌّ جداً تكريمُك، يا أخي طلال. ويُسعدُني اختيارُك «شخصيّة العام الإعلامية»، مثلما يُسعدُني ان أكون اليوم بين رفاقٍ عرفوك، فأحبّوك، ويعتزّون بقربهم منك، رفيقَ قلم، ودروبِ صداقة ووفاء.

Google News