عودةٌ وهميةٌ

محمد فهد الحارثي

 

العودة الناقصة مؤقتة، كذبة نحاول تصديقها، لكنها ترفض الاستمرارية. حينما نعود إلى واقع عشناه أو تخيلناه، ونوهم أنفسنا أننا سنعود بكامل الزخم واللهفة والشوق، تكون النتائج مخيبة. متى ما جفت الوديان، من السذاجة أن نتوقع موسمًا مثمرًا. متى ما هاجرت السحب، فلا يجب أن نتوقع هطول الأمطار. عودة عرجاء لواقع غريب.

الكلمات نفسها ولكن ليس المشاعر. الأماكن، الموسيقى، الألوان بقيت كما هي، لكنها غادرت أحاسيسها. ترى كيف نستعيد المشاعر التي رحلت؟ وهل لو أوهمنا أنفسنا بوجودها هل نخدع أنفسنا أم نخدع غيرنا؟ المجاملة في المشاعر خيانة لأنفسنا.

تعوّدت أن أراك؛ فيشع النور من محياك، رغم ضبابية الكون. كلماتك تقولها بعفوية، وأسمعها أشعارًا مغناة. يا للغرابة حتى حركات يديك، كانت يدي مايسترو تحرّك كل عوالمي وخفقاتي. يا لسطوة الحب كيف له أن يغير العالم بكل ملامحه وتفاصيله بأقل مجهود؟ فعلاً. ما نراه أمامنا هو الشيء الذي يخبرنا به عقلنا ونصدقه. الحقائق ليست دائمًا ما تراه أمام عينيك، بل ربما ما تتمنى أن تراه.

العودة هي محاولة منا أن نستعيد الماضي بجماله ومتعته. الحرمان وصعوبة تقبل الفراق يجعلنا نقفز للعودة على أمل أن نستعيد ما مضى؛ لنكتشف أننا نتوهم ونرسم بخيالنا تلك الصور، ونطبقها على واقع لم يعد كما كان.

أصعب إحساس حينما تكتشف أن حساباتك التي راهنت عليها كانت من الأساس خاسرة. وتدرك في قرارة نفسك أن ما يُلام هو حرصك وتضحياتك التي قدمتها من أجل حلم تسعى من أجله. الحلول الوسط في المشاعر خادعة «فلا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار».

الحقائق وقتها تزعجنا وتحزننا، لكنها تفتح لنا الآفاق الكبيرة لرؤية المستقبل الجديد. سوف أتقبل واقعي كيفما كان، لكنني أدرك أن الفرح ينتظرني بشوق، وأن الإرادة تصنع المستحيل، وأن الغد يعدني بالكثير..

اليوم الثامن:

الفراق بكل قسوته وآلامه..
أهون من عودة وهمية خادعة
توهمنا الفرح وتمنحنا الحزن.