mena-gmtdmp

أنا أختار طاقة الوفرة

هدى الفردوس
هدى الفردوس
هدى الفردوس

تعلَّمتُ مع الوقتِ أن طاقةَ الوفرةِ لا تبدأ من المالِ، بل من المكانِ الذي أضعُ نفسي فيه كلَّ يومٍ، ومن البيئةِ التي أختارها، والأشخاصِ الذين أنتمي إليهم، وطريقةِ حديثي مع نفسي عن الاستحقاقِ والمسؤوليَّة.

الوفرةُ بالنسبةِ لي لم تكن أمنيةً، بل كانت أسلوبَ حياةٍ واعياً، يصنعُ المالَ ولا ينتظره.

حين كنت أعيشُ في طاقةِ النقصِ، كنت أشعرُ دائماً بأنني أحتاجُ إلى أكثر مما أملك. أُنفِق لأعوِّض، وأعملُ بضغطٍ، وأتَّخذُ قراراتٍ اقتصاديَّةً بدافعِ الخوفِ لا الوعي! لكنْ عندما غيَّرتُ المكانَ الداخلي الذي أضعُ نفسي فيه، تغيَّرت علاقتي بالمالِ، وأصبحتُ أتعاملُ معه بهدوءٍ، وتخطيطٍ، وبُعد نظرٍ.

تدليلُ نفسي لم يكن يوماً إسرافاً، بل كان قراراً اقتصادياً ذكياً. حين اعتنيتُ بصحَّتي، ووقتي، ومساحتي النفسيَّة، ارتفعت قدرتي على الإنتاجِ، وأصبح عملي أكثر جودةً، ودخلي أكثر استدامةً.

أدركتُ أن المرأةَ التي تحترمُ نفسها، تحترمُ طاقتها، ومَن تحترمُ طاقتها، تُحسِن إدارةَ مواردها. تعلَّمتُ أيضاً أن الوفرةَ قرارٌ اجتماعي. الأشخاصُ الذين أحيطُ نفسي بهم يُؤثِّرون مباشرةً في فكري الاقتصادي، فهناك مَن يعيشُ بعقليَّةِ الأعذار، وهناك مَن يرى الفرص.

اخترتُ أن أنتمي لمَن يتحدَّثُ عن الحلولِ، والنموِّ، والمسؤوليَّةِ، لأن هذه اللغة تبني الثروةَ قبل أن تبني الأرقام.

حتى القدوةُ لم أعد أختارها بالإعجابِ فقط، بل أنظرُ إلى مَن يُوازن بين الطموحِ والانضباط، بين الاستقلالِ والمسؤوليَّة، وبين النجاحِ والاتِّزان. من كلِّ شخصٍ أتعلَّمُ درساً، لكنْ ليس كلّ شخصٍ أسمحُ له بأن يُؤثِّر في قراراتي الماليَّةِ، أو مساري المهني.

إن طاقةَ الوفرةِ بالنسبةِ لي مرتبطةٌ بالاستقلالِ المالي: ليس أن أملك المالَ فقط، بل وألَّا أعيشَ أيضاً في شعورِ الاحتياج، وأن أتحمَّلَ مسؤوليَّةَ حياتي، وأن أفهمَ دخلي، وأن أديرَ نفقاتي، وأن أستثمرَ في نفسي قبل أي شيءٍ آخر.

حين خرجتُ من طاقةِ النقصِ تغيَّرَ أسلوبي في العملِ، والإنفاقِ، والاختيار. أصبحتُ أختارُ المكانَ الذي أضعُ نفسي فيه بوعي، وأبتعدُ عن كلِّ ما يُعيدني إلى دائرةِ الاعتمادِ، أو الانتظار.

الوفرةُ علَّمتني أن الكرامةَ الاقتصاديَّةَ لا تعني الثراءَ السريع، بل تعني الاستقرارَ، والوضوحَ، والقدرةَ على اتِّخاذِ القرارِ دون خوفٍ. تعني أن أعملَ لأنمو، لا لأُثبت، وأن أبني لأنضج، لا لأنافس.

اليوم، أؤمنُ بأن الوفرةَ ليست وعداً خارجياً، بل هي نتيجةُ وعي داخلي، وحين أختارُ الوفرة، أختارُ طريقاً اقتصادياً ناضجاً، يصنعُ المالَ بهدوءٍ، ويمنحني حريَّةً ومسؤوليَّةً في آنٍ واحدٍ.

بهذا الفهمِ أصبحتُ أرى المالَ أداةَ تنظيمٍ للحياةِ لا عبئاً نفسياً، ولا هدفاً فارغاً، وأتعاملُ معه بوصفه وسيلةً تُمكِّنني من الاختيارِ الواعي، والمساهمةِ المسؤولةِ، والنموِّ المستدام.