حين تتوقَّفُ المقارنة.. يبدأ النموُّ المالي.
من أكثر ما يُفقِرُ الإنسانَ نفسياً ومالياً، هو العيشُ في سباق المقارنة.
نقارنُ مظهرنا، وأسلوبَ حياتنا، ودخلنا، وإنجازاتنا، فنُنفِقُ لنُشبه، لا لنبني.
المقارنةُ لا تسرقُ السلامَ فقط، بل وتسرقُ المالَ أيضاً. إنفاقٌ بدافعِ الظهور، وقراراتٌ ماليَّةٌ بدافعِ الغيرة، وطموحٌ مشوَّهٌ، لا يخدمُ الاستقرار، ولا يصنعُ مستقبلاً آمناً.
في عالمٍ مزدحمٍ بالصورِ، والآراءِ، والتوقُّعات، أصبح سباقُ المقارنةِ أحدَ أكثر مصادرِ الإرهاقِ النفسي في حياتنا اليوميَّة. نعيشُ تحت ضغطٍ مستمرٍّ لنبدو أفضل، أو نُحقِّق أسرع، أو نصل قبل غيرنا دون أن نتوقَّفَ لنسأل: هل هذا الطريقُ يُشبهنا أصلاً؟
الحقيقةُ التي أدركتها مع الوقتِ، أن المقارنةَ لا تصنعُ إنساناً متزناً، بل تخلقُ قلقاً دائماً، وشعوراً بالنقصِ مهما ارتفعت الإنجازات. فدائماً سيكون هناك مَن يملك أكثر، أو يظهرُ أفضل، أو يحصدُ تصفيقاً أعلى، ويدفعنا ذلك إلى سباقٍ لا نهايةَ له، ولا راحةَ فيه.
لذا اخترتُ أن أكون خارجَ سباقِ المقارنة، ليس لأنني أقلُّ طموحاً، أو أقلُّ سعياً، بل لأنني أدركتُ أن هذا السباق لا يقودُ إلى السلامِ الداخلي، ولا إلى الاستقلالِ المالي. الدخولُ فيه، يعني أن أعيشَ وفق معاييرَ لا تُشبهني، وأن أقيسَ نفسي بمقاييسَ، صُنِعَت لحياةٍ غير حياتي.
حين خرجتُ من المقارنةِ، لم أكسب راحةً نفسيَّةً فقط، بل واكتسبتُ أيضاً وضوحاً اقتصادياً. لقد توقَّفتُ عن الإنفاقِ لإرضاءِ الآخرين، وتوقَّفتُ عن قياسِ تقدُّمي بمعاييرَ لا تخصُّني، وبدأتُ أوجِّه طاقتي نحو بناءِ دخلٍ حقيقي، وتطويرِ مهاراتٍ، تزيدُ من قيمتي السوقيَّة، لا من صورتي الخارجيَّة.
المرأةُ التي تتحرَّرُ من المقارنةِ، تتحرَّرُ مالياً، لأنها لم تعد تُنفِقُ لتُقنِع، ولا تعملُ لتُثبِت، بل تبني لتستقر. الثراءُ لا يحتاجُ استعراضاً، بل يحتاج وعياً، وصبراً، وانضباطاً، وكرامةً داخليَّةً، تمنعُ اللهاثَ خلفَ ما لا يخدمك.
التاريخُ مليءٌ بأشخاصٍ كانوا في القمَّةِ، ثم فقدوا كلَّ شيءٍ: المال، والمكانة، والنفوذ. مع ذلك عادوا أقوى، لأن عظمتَهم لم تكن فيما يملكون، بل فيما هم عليه. سقطت المظاهرُ، وبقي الجوهر.
العظمةُ الحقيقيَّةُ لا تُبنى على جانبٍ واحدٍ من الحياة، بل على الارتقاءِ في الفكرِ، والأخلاقِ، والمهاراتِ، والصحَّةِ النفسيَّةِ، والعلاقات. الحريَّةُ أن تتحرَّرَ من حكمِ الآخرين عليك. السعادةُ أن تكون شاكراً. الرضا أن تشعرَ بالاكتفاء. والكرامةُ ألَّا تحتاجَ لإثباتِ نفسك.
أمَّا الأمانُ، وهو الأهمُّ، فهو شعورٌ داخلي. حين تشعرُ به، لا تحتاجُ أشخاصاً، ولا أشياءَ، ليمنحوك قيمتَك. تعرفُ مَن أنت، وإلى أين تتَّجه، ولماذا اخترت هذا الطريق.
أنا خارجَ سباقِ المقارنةِ، لأنني اخترتُ الوعي بدلَ الضجيج، والبناءَ بدلَ الاستعراض.
وهكذا، أصبح المالُ نتيجةً للوعي، لا وسيلةً لتعويضِ نقصٍ.





