منذ طفولتها، ارتبطت سارة الدهلوي بالعطورِ بوصفها ذاكرةً، تحملُ الأشخاصَ، والأماكنَ، والمشاعر قبل أن تتحوَّل هذه العلاقةُ إلى شغفٍ مهني، قادها إلى تأسيسِ Maison Dahlawi. وبين دراسةِ إدارةِ الأعمال، والتخصُّصِ في صناعةِ العطورِ بالمدرسةِ الفرنسيَّة Cinquième Sens، جمعت سارة بين الرؤيةِ التجاريَّة، والحسِّ الإبداعي، لتُقدِّم عطوراً، تبدأ من الإحساسِ قبل المكوِّنات. وهي تستمدُّ هويَّتها العطريَّة من جذورها السعوديَّة، ومن إرثِ العودِ، والبخورِ، والورد، وطقوسِ الضيافة، هذا مع إعادةِ تقديمها بلغةٍ معاصرةٍ، وحسٍّ فرنسي راقٍ. في هذا اللقاء، تتحدَّثُ سارة عن الهويَّةِ السعوديَّة، وطموحاتها لمستقبلِ Maison Dahlawi، كاشفةً عن حلمها بتحويلها إلى دارٍ متكاملةٍ، تمتدُّ من العطورِ إلى الجمالِ، والتصميمِ، والأثاث.
سارة الدهلوي
ما أولى ذكرياتكِ مع العطور، ومتى أدركتِ أن العطرَ يمكن أن يتحوَّلَ من شغفٍ شخصي إلى لغةٍ إبداعيَّةٍ، تُعبِّرين من خلالها عن نفسكِ؟
لا أستطيعُ أن أفصلَ ذاكرتي عن الرائحة. بالنسبةِ لي، العطرُ لم يكن يوماً مجرَّد شيءٍ نضعه قبل أن نخرجَ من المنزل، بل كان مرتبطاً بالأشخاصِ، والأماكنِ، والمراحلِ، والمشاعر. بعضُ الروائحِ تستطيع أن تُعيدني إلى زمنٍ كاملٍ في لحظةٍ واحدةٍ، وربما، لهذا السببِ بدأت علاقتي بالعطرِ بوصفها علاقةً عاطفيَّةً قبل أن تُصبح مهنيَّةً. مع الوقتِ، أدركتُ أن ما يجذبني ليس فقط أن يكون العطرُ جميلاً، وإنما ما الذي يقوله أيضاً؟ وما الشعورُ الذي يتركه؟ وما الصورةُ التي يرسمها في الذاكرة؟ هنا بدأ التحوُّلُ الحقيقي بالنسبةِ لي.
درستِ إدارةَ الأعمالِ قبل أن تتخصَّصي في صناعةِ العطور، وتتخرَّجي في مدرسةِ Cinquième Sens الفرنسيَّة، كيف أثَّرت هذه الرحلةُ المختلفةُ في رؤيتكِ للعطور، وفي طريقةِ بناءِ Maison Dahlawi؟
أعتقدُ أن اجتماعَ المجالَين كان من أكثر الأشياءِ التي خدمتني في بناءِ Maison Dahlawi. دراسةُ إدارةِ الأعمال علَّمتني أن أنظرَ إلى العلامةِ بوصفها منظومةً كاملةً، أمَّا دراسةُ صناعةِ العطور في فرنسا، فأعطتني الجانبَ الآخر تماماً: الدقَّةُ، وفهمُ الموادِّ الخام، والبناءُ العطري، والتوازنُ بين الجانبِ التقني والحسِّ الإبداعي. مع ذلك، الأهمُّ أنني عندما دخلتُ عالمَ العطور أكاديمياً، لم أعد أتعاملُ معها بوصفها منتجاتٍ جميلةً فقط. بدأتُ أفهمُ لماذا تُؤثِّر تركيبةٌ معيَّنةٌ فينا، وكيف يمكن لمادةٍ خامٍ واحدةٍ أن تُغيِّر مزاجَ العطرِ بالكامل، وكيف يمكن بناءُ قِصَّةٍ باستخدامِ الرائحة. عليه، أحاولُ دائماً في Maison Dahlawi أن أوازنَ بين عقلِ صاحبةِ المشروع، وحساسيَّةِ صانعةِ العطر.
أنتِ صانعةُ عطورٍ سعوديَّةٌ، تحملُ تقديراً خاصاً للفخامةِ الفرنسيَّة، كيف تُوفِّقين بين تراثكِ السعودي، وذائقتكِ المستوحاةِ من الفخامةِ الفرنسيَّة، لتُقدِّمي هويَّةً خاصَّةً ومختلفةً لـ Maison Dahlawi؟
أنا لا أرى الثقافةَ السعوديَّة، والفخامةَ الفرنسيَّة عالمَين متعارضَينر، بل أجدُ بينهما نقاطَ التقاءٍ كثيرةً: كلاهما يُقدِّر التفاصيلَ، والحِرفةَ، والطقوسَ، والجمالَ الذي لا يحتاجُ بالضرورةِ إلى المبالغة.
نشأت في ثقافة سعودية تعد العطر جزءاً من الحياة اليوميَّة من خلال العودِ، والبخورِ، وتعطيرِ المنزلِ، والملابسِ، والضيافة، وحتى في ارتباطِ روائحَ معيَّنةٍ بأشخاصٍ، وأوقاتٍ، ومناسباتٍ. في المقابل، أحببتُ في المدرسةِ الفرنسيَّة الطريقةَ الدقيقةَ جداً في بناءِ العطر، والاهتمامَ بالتوازنِ، والتفاصيلِ، والموادِّ الخام، لذا لا أحاولُ أن أصنعَ عطراً «شرقياً»، ثم أضيفُ إليه لمسةً فرنسيَّةً، أو العكس. ما يهمُّني، أن تمتزجَ المرجعيتان بشكلٍ طبيعي جداً حتى لا تستطيع الفصلَ بينهما.
Maison Dahlawi بالنسبةِ لي امتدادٌ لهويَّتي أنا: سعوديَّةٌ في جذورها، عالميَّةٌ في لغتها، وفرنسيَّةُ الحسِّ في جانبٍ من حِرفيَّتها وأناقتها.
نقترح عليك قراءة اللقاء الخاص مع د. دينا الطيب وابنتها لنا ناظر

«أنا لا أرى الثقافة السعودية والفخامة الفرنسية عالمين متعارضين بل أجد بينهما نقاط التقاء كثيرة»
تتمتَّعُ السعوديَّةُ بثقافةٍ عطريَّةٍ غنيَّةٍ من العودِ، والبخورِ إلى الوردِ، والعطورِ المرتبطةِ بالضيافةِ والذاكرة، ما العناصرُ التي استلهمتِ منها أكثر في رحلتكِ الإبداعيَّة، وكيف تُعيدين تقديمها برؤيةٍ معاصرةٍ؟
أكثر ما يُلهمني في الثقافةِ العطريَّةِ السعوديَّة ليس مكوِّناً واحداً بقدرِ ما هو علاقتنا بالرائحةِ نفسها. لدينا ارتباطٌ بالعطر، يتجاوزُ فكرةَ التجمُّل. هناك طقوسٌ كاملةٌ مرتبطةٌ بالبخورِ والعود، وتعطيرِ الملابسِ والشعرِ والمنزل، وهناك روائحُ مرتبطةٌ بالضيافةِ، والمناسباتِ، والذاكرةِ العائليَّة. هذه العلاقةُ العميقةُ جداً بالرائحةِ بوصفها نمطَ حياةٍ، هي مصدرُ إلهامٍ كبيرٌ بالنسبةِ لي.
طبعاً، لدي انجذابٌ كبيرٌ للعودِ، والمسك، والوردِ، والبخور، لكنَّني أحبُّ أن أتعاملَ معها بعيداً عن الصورةِ التقليديَّة، أو المتوقَّعة. أحياناً أجعلُ المكوِّنَ الشرقي أكثر شفافيَّةً، وفي أخرى أضعه إلى جوارِ موادَّ لم نعتد على أن نراه معها، أو أجعله مجرَّد ظلٍّ في التركيبةِ بدلاً من أن يكون صوتَها الأعلى. ويهمُّني أيضاً اكتشافُ الموادِّ المرتبطةِ بأماكننا مثل الريحانِ في جازان، ووردِ الطائف، وحتى النباتاتِ والروائح التي نمرُّ بها في حياتنا اليوميَّة، ولا نُفكِّر فيها بوصفها مادةً، إذ يمكن أن تُصبح جزءاً من قِصَّةٍ عطريَّةٍ. أعتقدُ أن احترامَ التراثِ لا يعني أن نُكرِّره كما هو. أحياناً، أجملُ طريقةٍ للاحتفاء به بأن نمنحه لغةً جديدةً.
مع اقترابِ اليومِ الوطني السعودي، ماذا تعني لكِ الهويَّةُ السعوديَّةُ على المستويين الشخصي والإبداعي، وما الرسالةُ التي تودِّين توجيهها إلى الجيلِ الجديدِ من المبدعين وروَّادِ الأعمالِ السعوديين الذين يسعون إلى بناءِ علاماتٍ تحملُ قصصهم وهويَّتهم؟
الهويَّةُ السعوديَّة بالنسبةِ لي ليست شيئاً أحتاجُ إلى وضعه على المُنتَج ليكون واضحاً. إنها موجودةٌ تلقائياً في نظرتي للأشياء، وفي ذاكرتي، وفي ذائقتي، وفي الطريقةِ التي أتعاملُ بها مع العطر.
ما يحدثُ اليوم في السعوديَّة ملهمٌ جداً، لأننا نشهدُ جيلاً لم يعد يشعرُ بأنه مضطرٌّ للاختيارِ بين هويَّته المحليَّة، وطموحه العالمي. لقد أصبح في إمكانِ المبدعِ السعودي أن يبدأ من قِصَّته وثقافته، ثم يُقدِّمها للعالمِ بثقةٍ، وبمستوى يُنافس عالمياً.
أمَّا رسالتي للجيلِ الجديد، فهي ألَّا يحاولوا تقليدَ النجاح، بل أن يبنوا شيئاً يستطيعون أن يقولوا عنه: هذا يُشبهني أنا. تعلَّموا، وسافروا، وشاهدوا العالم، واكتسبوا أعلى مستوى ممكنٍ من المعرفةِ والحِرفة، لكن لا تفقدوا أثناء ذلك قِصَّتكم الخاصَّة. أعتقدُ أن أجمل ما يمكن أن نُقدِّمه في هذه المرحلةِ، هو علاماتٌ سعوديَّةٌ لا تطلبُ من العالمِ أن يُعاملها بوصفها استثناءً، وإنما تقفُ أمامَ أفضل العلاماتِ العالميَّةِ بجودةٍ، وفكرةٍ، وهويَّةٍ تجعلها تستحقُّ مكانها بينها.

تطمحين من خلال Maison Dahlawi إلى التوسُّعِ مستقبلاً في عالمِ مستحضراتِ التجميلِ والأثاث ضمن رؤيةٍ أشمل لإحياءِ إرثِ عائلةِ Dahlawi، كيف تتخيَّلين مستقبلَ العلامة؟
منذ البدايةِ لم أتخيَّل Maison Dahlawi علامةَ عطورٍ فقط. العطرُ كان البداية، لأنه المجالُ الأقربُ إلى إحساسي، والأكثرُ قدرةً بالنسبةِ لي على التعبيرِ عن الذاكرةِ والمشاعر، لكنْ رؤيتي للدارِ أكبر.
أحلمُ بأن تتحوَّل Maison Dahlawi مع الوقتِ إلى Maison بالمعنى الحقيقي للكلمة: عالمٌ متكاملٌ، له لغتُه الجماليَّةُ الخاصَّة، ويمكن أن تمتدَّ منه العطورُ إلى الجمالِ، والأشياءِ التي نعيشُ معها داخلَ المنزل، وربما إلى الأثاثِ، والتصميمِ، والقطعِ التي تحملُ قيمةً جماليَّةً وحِرفيَّةً، وتبقى معنا أعواماً طويلةً.

فكرةُ إرثِ عائلةِ Dahlawi مهمَّةٌ بالنسبةِ لي أيضاً، لكنَّني لا أريدُ أن يكون الإرثُ مجرَّد حديثٍ عن الماضي. ما يُثيرني حقاً، هو السؤالُ: كيف نأخذُ ما نحمله من قصصٍ، وذائقةٍ، وذاكرةٍ، ونبني به شيئاً جديداً، يستطيعُ أن يعيشَ مستقبلاً؟
حلمي في النهايةِ، أن تُصبح الدارُ عالماً، يستطيعُ الشخصُ أن يتعرَّفَ فيه إلى روحه حتى قبل أن يرى الاسم: من الرائحةِ، والملمسِ، والخاماتِ، والتصميمِ، وطريقةِ تقديمِ التفاصيل. بالنسبةِ لي، هذا هو المعنى الحقيقي لبناءِ إرثٍ: بألَّا نصنعَ أشياءَ للحظةٍ، بل أن نبني لغةً، تستمرُّ بعدنا.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط


Google News