|
|
زرت صديقي ي
في عمله.. أثناء انهماكنا في الحديث، دخل علينا شخص يبدو عليه أنه أحد الموظفين.
سلّم علينا وأنا أجبت سلامه، بينما صديقي لم يجبه، قلب الموظف الملفات وأخذ منها
واحدًا وسجّل بعض البيانات ثم انصرف. استغربت من صديقي الذي لم يردّ السلام على
الموظف، ولما رأى صديقي ذلك على وجهي قال: «لا تشغل بالك.. هذا المتفذلك». دخل
موظف آخر على عجل، وانحنى على أذن صديقي هامسًا بصوت مسموع: «تقيل الدم كان عندك
وأخذ ملف»، فأجابه صديقي بنفس الطريقة «همسًا»: «نعم كان هنا وغار في داهية».. بعد
دقائق، عمّت رائحة نفّاذة لقهوة فرنسية تسلبك عقلك ويسيل لها لعابك.. فبادرني
صديقي أنها له.. فقلت له: مَن؟، فأجابني: «تقيل الدم، هذه رائحة قهوته».. عندها
اشتعل رأسي بالأسئلة، بادرته:ماذا تعني؟
فأخذ نفَسًا عميقًا ونفثه، ثم أرجع ظهره للوراء وقال: «هذا الموظف.. مكروه
من الجميع لتصرفاته الغريبة».. واقترب مني وبصوت منخفض: «هذا المعتوه.. حتى طوب
الأرض لا يتحمّله.. لذلك هو يحضر قهوته معه، تصوّر أنه أخذ نسخة من مفتاح المكتب
من الفرّاش بدعوى أن الفرّاش يتأخر في الحضور صباحًا»، فسألته: وهل الفرّاش فعلا
يتأخر؟ فأجاب: «يا أخي نصف ساعة ونحن نغطي عليه هذه الفترة».. فسألته والفضول
يفترسني: «ولماذا يتأخر الفرّاش».. رد صديقي: «الفرّاش يقوم بتوصيل أولاده للمدارس
ومن باب المعاونة يأخذ أولاد جيرانه معه لتوصيلهم أيضًا لمدارسهم بسيارته
«الأجرة».. ويعطونه ما يعينه على الحياة.. لذا يصل الإدارة متأخرًا.. يعني نصف
ساعة كل يوم».. فقلت له: كلام معقول!. وأكمل صديقي بقوله: «هذا المتفزلك يدّعي أن
دوامنا يبدأ من الساعة السابعة والنصف، لذا يتحتم علينا الحضور قبل هذا الوقت..
يعني السابعة والربع أو حتى السابعة وخمس وعشرين دقيقة».. وأفاض والألم يعتصره:
«تصور كنا نوقع في كشف الحضور والانصراف، فأقنع هذا المجنون الإدارة باستبدال
الكشوف باستخدام الساعة للحضور والانصراف.. فعلاً معتوه.. وورط أناسًا كثيرين»..
وسألته: وهل التزم هو بالدوام في هذا الوقت ولاّ تنغيص عليكم فقط؟. أجاب: «ما
يجعلك تموت كمدًا أنه التزم.. ونحن نبحث له عن غلطة فلا نجد، فهو شديد الالتزام..
ويأتي قبل الدوام بربع ساعة يوميًا.. علّقت مواسيًا صديقي: لكن الحضور والانصراف
ليسا مقياسًا، هناك الإنجاز بالعمل والأمانة ومعاملة المراجعين وأمور عدة.. فأجاب
والحسرة بادية عليه: «للأسف.. إنتاجيته في القمة.. أليس هذا غريباً».. فقلت له:
فعلاً.. ثم أضاف: «تصور أنه لم يأخذ يومًا «إكرامية» من صاحب معاملة ما مع إنه
يقوم بإنجاز المعاملات بسرعة فائقة، إنه يوقعنا في إحراج دائم، وتصور أنه لا
يتحدّث معنا إلا في العمل فقط، معللاً ذلك بأننا نغتاب بعضنا وأننا ننم على
زملائنا ونترك العمل، بالله عليك أليس هذا معتوهاً».. خرجت من عند صديقي، أقلّب
كفي وأضرب كفًا بكف, وتمنيت لو أصبح كل أصدقائي مثله!

Google News