mena-gmtdmp

من على جبل الجليد

محمد فهد الحارثي


فجأة وأنا في أعالي الجبال، وتبعدني عنك الآف الأميال، أدركت حقائق جديدة. فعلى سفوح هذه الجبال التي يتزلج عليها البشر في خطوط متعرجة. تبدو الأمور أكثر وضوحا. صفحة بيضاء من الثلج كأنها لوحة تجريدية تعطي صفاء للنفس ومساحة للتأمل. نظرت إلى البساط الأبيض على امتداد البصر. ووجدت قواسم مشتركة مع شخصيتك. فهو ناصع البياض كقلبك الأبيض، يشبهك في النقاء. ناعم كنعومة مشاعرك، مسالم كابتسامتك. ساعات تمضي وأنا أتأمل هذا المنظر وأتوه للحظة، هل كنت أتأملك وأشبهك بالثلج، أم أنني كنت أنظر للسهول البيضاء وأتذكرك؟

برد قارس في قمم هذه الجبال. حيث تتجمد الأنهار ويتساقط الثلج على مدار الساعة. كنت ألمحك ويهرب البرد لأتدفأ بصورة ملامحك في خيالي. الأماكن لا تعني شيئا بدون الأشخاص الذين نفتقدهم. تصبح وظيفة الأماكن وسائل تشبيه ورسومات للتذكر. متعة المكان فيمن يشاركك معه، ومتعة اللحظة حين تقضيها مع من يستحق.

أنظر للأرض وكأنها خجلى، ترتدي لحافا من البياض يغطي كل تضاريسها. مسكينة هذه الجبال لو كانت تشعر ببرودة المكان، ربما تتعبها الوحدة وهي هنا مدى الدهر. تصعب المقارنات مع الأرض، فأنا أحظى بحنانك ودفء مشاعرك الذي يحميني من كل التقلبات والمناخات.

وجودك في حياتي جعل لحياتي إيقاعا مختلفا ومعان جديدة. وأتساءل كيف أصبحت هناك مقاييس جديدة للوقت، فمعك تهرول الساعات عجلى، وبعيدا عنك تضيع تائهة تنتظر مرور الدقائق.

جمال هذا المنظر أنه بعيد عن الزيف، شكلته الطبيعة بعفويتها. وأنت بالمثل، واحة من الصدق يتعلم الآخرون منك معاني الوفاء. كلما ذهبت إلى مكان جديد، تترسخ حقيقة لا تتغير. أنك استثناء في هذا البشر، وأنك فيض حنان يستحق أجمل العمر.

 

اليوم الثامن:

كلما سافرنا إلى مدن جديدة

أدركنا نفس الحقائق القديمة

السعادة ليست في الأماكن

إنما فيمن نشارك من البشر