غداء على الشاطئ

نجاة غفران

 

كان ينظر إليّ بامتعاض وأنا منشغلة بهاتفي، الوقت يمضي، وقهوتي تبرد، وهو على وشك القيام إلى عمله.
«هل بإمكاننا أن نحظى ببعض الخصوصية ونحن نتناول الفطور؟ غير معقول.. لم أعد أعرف كيف أحدثك..»
«هاه..؟» تمتمت وأنا أنقر لوحة الهاتف.
«سأغادر.. لا أرغب في حشر نفسي وسط زحمة الثامنة..».
كنت أتبادل رسائل إلكترونية مع علا، صديقتي، قمت أبلع رشفة قهوة باردة قلبت أمعائي، وأتبعه.
علا مكتئبة كعادتها أغلب الوقت، تظن نفسها على حافة الهاوية ولا تدري كيف تتصرف.
جلست قربه في السيارة وواصلت دردشتي الإلكترونية مع صاحبتي، قالت إنها سئمت من تصرفات خطيبها، واضطهاده لها في العمل، وضغوطه المستمرة عليها وعلى عائلتها، يريدها أن تقدم استقالتها، وتتفرغ له بعد الزواج، هي لا تمانع في ذلك؛ فالجلوس ثماني ساعات كل يوم خلف المكتب لا يلائمها، لكن البقاء في البيت لا يناسبها، لديها طموحات أخرى، وهو، بحكم منصبه كمدير للقسم الذي تعمل فيه، بإمكانه أن يساعدها، أو يدمر مشاريعها.
«هل تحدثتما في الأمر؟» سألتها، وجاءني الجواب سريعاً: «طبعاً لا، يريدني أن أقعد في البيت، هل تتخيلين ردة فعله إن أخبرته بأنني أود استلام المهام الخارجية، أقابل الزبائن وأصحبهم في جولات ميدانية وأشرف على تنقلاتهم..؟ ستكون تلك نهاية علاقتنا..».
تنهدت..
وبادرني زوجي وهو يتوقف بالسيارة أمام مقر عملي: «صديقتك مجنونة، دعيها تحل مشاكلها بعيداً عنك، لست طبيبة نفسية..».
طبعت قبلة سريعة على وجنته لأصالحه، أعرف أنه ممتعض، ولكن علا بحاجة إليّ، نفسيتها حساسة إلى أبعد الحدود، ومن الممكن أن ترتكب حماقة.
جاءني ما يؤكد مخاوفي في رسالتها التالية: «تعبت من كل هذا، أفكر في فسخ الخطبة، وتقديم استقالتي، والسفر لبعض الوقت.. وربما اختيار مجال مهني آخر، أو الهجرة إلى الخارج، أو بلع كمشة أقراص مهدئة والاستسلام لغيبوبة تنسيني كل هذا.. تبا..».
توقفت في ردهة البناية واتصلت بها.
قضيت وقتاً طويلاً في إقناعها بالعدول عن أفكارها الجنونية، والتحدث بقلب صاف مع خطيبها.
يجب أن يضعا معاً مخاوفهما على الطاولة، ويتناقشا.
بعثت إليّ رسالة في منتصف النهار، تخبرني فيها بأنها نفذت نصيحتي، وهي الآن تتأهب للخروج مع خطيبها إلى الغداء.
«ممتاز..» صحت بحماس، «اختارا مكاناً رومانسياً، بعيداً عن ضجيج المدينة، اذهبا إلى أحد تلك المطاعم الشاطئية النائية، في طريق الجبل، واستمتعا بوقتكما..».
قضيت ما تبقى من اليوم وأنا أفكر في زوجي، هو محق، لقد أهملته هذا الصباح، لكن علا كانت بحاجة إليّ، وأنا راضية عما فعلته من أجلها.
حضرت وجبة خفيفة في المساء، ووضعت المائدة أمام التليفزيون، وشغلت القناة الرياضية التي يحبها زوجي.
الليلة لن أهمله.
دخلت إلى الحمام لآخذ دشاً سريعاً، وأخذت أفكر في الفستان الذي سأرتديه، يجب أن يشعر زوجي بأن اهتمامي به يفوق ما يتصوره.
نقر زجاج الحمام ومددت رأسي لأجده يستعجلني لأخرج، «يجب أن تردي على الهاتف، إنها أم علا..».
لففت منشفة حولي وأنا أتساءل عن الموضوع، زوجي يبدو مستاء، من جديد.
ليس عليه أن يقلق، لن أدع أحداً يشغلني عنه الليلة.
«نعم خالتي.. كيف حالك؟ كلمت علا اليوم و..».
قاطعتني وهي تبكي وتنوح بشدة: «علا راحت يا ابنتي.. علا ماتت، تعرضت وخطيبها لحادثة سير مميتة وهما في طريق الجبل، ما الذي أوصلهما إلى هناك؟ يفترض أن يكونا في مقر عملهما.. اتصلت الشرطة بنا ونحن الآن في المستشفى، في مستودع الأموات.. ولا أصدق.. لا أصدق أن ابنتي راحت مني..».
دارت الدنيا من حولي ولفني الظلام.