سيدتي تلتقي صوفي مارسو في دبي

جميلة ورقيقة وأنيقة، ومن إطلالتها التي تتسم بالبساطة، إلى صوتها الهادئ وكلماتها الرزينة والعميقة، يمكنها أن تحظى فوراً بالإعجاب الممزوج بالاحترام، وتبرز قدرتها على فرض الإصغاء لها على جمهور غفير داخل قاعة كبرى. إنها صوفي مارسو، نجمة فرنسا التي يضعها النقاد في مرتبة نجمة هوليوود جوليا روبرتس، متجاوزين العشرين مليون دولار التي تتقاضاها روبرتس أو الأموال الأخرى التي تصل إلى المائة مليون حصيلة أجور أفلامها. فكيف حققت صوفي رحلة نجاحها السريع، وماذا جاءت تفعل في دبي؟

استطاعت صوفي مارسو في دبي، أن تحول اللقاء الذي كان من المفترض أن يكون ترويجيا لمجوهرات «شوميه» Chaumet الفرنسية الجديدة، إلى جلسة حميمة تبادلت فيها الأحاديث والبوح، مع نخبة من الإعلاميات ومديرات التسويق وعدد من الناشرين ورجال الأعمال والعاملين في القنوات الفضائية. وقد التقينا بها قبل أن تصعد إلى المنصة التي تحولت إلى مسرح صغير، ثم أصبحت جزءاً من صالون وثير وحميم يضمنا معها في جلسة خاصة. قبل إطلالتها، كانت صورها الكبيرة التي توزعت في  إحدى قاعات «دبي مول»، والمعلّقة بشكل متقارب، تظهر صوفي مارسو في وضع يعبّر عن حالة نفسية أو عاطفية. وخلال فترة التجمع قبل إطلالة مارسو، وقبل إعلان إطلاق المجموعة الجديدة في  متجر لمجوهرات «شوميه» Chaumet في دبي والذي افتتح عام 2008، كانت التكهنات تدور محاولة تفسير هذه الصور، فلماذا تبدو صوفي حزينة في هذه الصورة أو متأهبة في صورة أخرى، وماذا تعني هذه النظرة الحالمة والحائرة في الوقت ذاته؟ 

إيضاح معاني الصور لم يتأخر، فالنجمة التي تجمع داخلها مواهب فنية عديدة تنمّ عن قدرات أخرى

(هي مخرجة ومؤلفة أيضاً)، كانت قد وضعت السيناريو لحملة إطلاق المجوهرات هذه، والتي يبدو أنها تحولت إلى فيلم تسجيلي قصير، كما تحولت صوفي مارسو فيها إلى فنانة العرض المسرحي ذي «البطل الواحد». فعلى تلك المنصة العريضة وقفت في القاعة التي دخلتها بعد إعلان حضورها الذي كان على طريقة الفنانين القديرين، فلا بهرجة أو حذلقة في الملابس، ولا تكلّف في المشية أو الحركة، بل خفر جميل مع ثقة داخلية وصدق في التعبير تلمسّه الحاضرون من خلال كلمات مركزة ومعبرة، «سامحوني لأني لن أعطي دبي حقها في الكلام»، هذا ما قالته معبّرة عن وصولها في الليلة السابقة بعد حوالي ثماني ساعات من الطيران، ومن ثم مجيئها هذا الصباح لحفل إطلاق «شوميه» Chaumet، وعن حبّها للصحراء، وعن أجمل ما شاهدته، وهو لوحة تشكيلية تبدو فيها ناطحات السحاب كأنها تنبت من وسط الصحراء.

 

لا لعمليات التجميل

احتفظت صوفي إلى اليوم بتلك السمة في جمالها الذي يراوح بين الطفولة والمراهقة، فهي الطفلة الأنثى التي لا تشيخ. تقول في جلستنا معها في دبي: «لا أحب عمليات جراحة التجميل، ويهمني أن أكون صافية الذهن، بل أسعى إلى ممارسة رياضات مختلفة منها السباحة أو اليوغا كي أحتفظ بالنشاط وصفاء الذهن، فأنا ممن يعتقدون أن الجمال ينطلق من الداخل إلى الخارج»، وهي عندما تقول هذا لا يمكننا إلا أن نصدقها فحضورها وأسلوبها في الكلام يترجم هذا الاعتقاد بقوة. تقول أيضاً: «الاستقرار النفسي هو بوصلتي في النجاح، فرغم كل شيء يجب أن أحرص على استقرار نفسي كي أنجح وأتطور». ويبدو أن الاستقرار في نظرها ليس عليه أن يكون بالضرورة على شكل صورة لعائلة سعيدة من منظار تقليدي، فهي عرفت طفولة لا تخلو من منغصات، إذ كان عليها أن تعمل في أوقات العطل لتساعد في زيادة دخل عائلتها التي تنتمي إلى الطبقة العاملة، كما  شهدت طلاق والديها وهي في التاسعة من العمر. وبرغم ذلك تقول: «لكني أحب العائلة، وفي أية حالة أكون فيها أحرص في بيتي على الجو العائلي، والالتزام العائلي».

 

أنا «شوميه» و«شوميه» أنا:

اكتفت صوفي مارسو بارتداء فستانها الأسود، وبوضع خاتم في إصبعها، وعقد رقيق حول عنقها، ولعلها من المرات القليلة التي يتحول فيها الحديث عن المجوهرات من مستوى الترويج إلى مستوى آخر من الفن والفهم العميق. فصوفي مارسو تفلسف علاقتها بالمجوهرات بدءاً من مفهوم ارتباطها بـ «شوميه» Chaumet فهما معاً يعبران عن جذورهما الفرنسية المشتركة في العراقة والتاريخ. وقد وضع «شوميه» Chaumet هذا المفهوم أمام  ناظرها منذ البداية، ليحيل صناعته إلى جمالية فنية. كما أن صوفي مارسو ومنذ انطلاقتها وضعت لنفسها إطار الفنانة المغايرة وليس النجمة الصارخة. ونتيجة لمفاهيم العراقة والتاريخ والمناخ الفرنسي الصرف، التقت بطلة فيلم «لا بوم» الشهير La Boume، بمصمم عراقة وجماليات المجوهرات لأمبرطوارات فرنسا ثم لنخبة ملوك وحكام العالم، واضعاً فلسفة خاصة به تمزج  بين عراقة الأحجار الكريمة من الماس إلى المرجان إلى الياقوت وغيرها، وبين مفهوم الشعر والفن والموسيقى، حيث تأتي التسميات تعبيراً عن حالات أكثر منها عن أشكال: «هل تعلمون أن مجوهراتنا هي جزء منا، بل هي التعبير عنا، وليس هذا فحسب، إنها كلمة السر لدواخلنا»، بمثل هذه الكلمات التي تطلقها صوفي مارسو نخمّن أنها بدأت تتحدث عن أغنية وليس عن قطعة مجوهرات، لكنها تؤكد بحرارة «الترويج ليس وظيفتي، أنا التقيت وشوميه عند مفترق، فوجدنا أننا نكمّل بعضنا بعضاً. هو لا يفرض علي أي قطعة، أنا أختار. قد أضع ربما خاتماً كبيراً ضخماً لأشعر بالثقة، أو أرتدي عقداً رقيقاً من الماس  يحتضن صدري ويخفف عني حالة حزن أو شجن». تبدو صوفي حين تتحدث وكأنها تبوح، لكن صوتها يكون ينمّ عن قناعة راسخة، وعندما تبدأ بشرح سيناريو الصور التي تظهر بها بمجوهرات شوميه الجديدة التي تحمل اسم «لو غران فريسون»Le Grand Frisson يأخذها الحديث إلى قصة حب: «نعم يمكننا أن نعيش قصة حب مع مجوهراتنا، فبهذه الصورة أكون في انتظار فارس الأحلام، وفي الثانية يتم الارتباط، وتظهر الصورة الثالثة ما بعد اللقاء وتأهب الحبيبة لانتظار لقاء آخر، وفي كل هذا تكون الحلى جزءاً من فرحتها أو انتظارها». تصمت صوفي مارسو قليلا ثم تسألنا: «عندما نستيقظ كل يوم ونحاول أن نختار الثوب الذي سنرتديه، ألا نشعر بشيء خفي يدفعنا للون معين وثوب معين؟ هكذا نكون أيضاً أمام علبة المجوهرات، القطعة قد تصبح أماً تهدهدنا أو ولداً ندلله، أو صديقة نثق بها ، هي تشجعنا على مشروع أو مجازفة».

ينتهي الوقت، ويكون الجميع على استعداد لتواصل صوفي مارسو عرضها الصادق والشيق، لكنها تصمت مثل شهرزاد عصرية، ويكون الوقت قد أزف وعلينا أن نغادر القاعة لنتجول في مناخات المجموعة الجديدة في متجر «شوميه» Chaumet بدبي مول والذي يغرق بعراقة أخرى من أنامل «جان ميشيل ويلموت» مجدد الشانزليزيه الشهيرة ومتاحف اللوفر في باريس والمتحف الوطني في هولندا.