مع انطلاق النسخة الاستثنائية لبطولة كأس العالم 2026، والتي تقام لأول مرة بتنظيم مشترك بين ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك، وبمشاركة موسعة تضم 48 منتخباً وطنياً، فإن المونديال أصبح تظاهرة ثقافية وترفيهية؛ حيث تزينت الافتتاحيات بحفلات ضخمة أحياها نجوم عالميون مثل شاكيرا، كاتي بيري، جي بالفين، وبيرنا بوي، ليمتزج الفن بالرياضة في لوحات تعكس روح القارة الأمريكية. وعلاوة على ذلك، اجتذبت البطولة اهتماماً لافتاً من العائلات الملكية والشخصيات العامة، كحضور الملك ويليم ألكسندر والملكة ماكسيما لمساندة المنتخب الهولندي، حيث يتنافس 48 منتخباً تم تقسيمهم على 12 مجموعة، يتأهل منها أصحاب المركزين الأول والثاني مباشرة، إلى جانب أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث، ليتشكل لأول مرة ما يُعرف بـ "دور الـ32" كأول أدوار خروج المغلوب.

طليعة المتأهلين: المنتخبات التي حسمت بطاقة دور الـ32
مع انقضاء الجولتين الأولى والثانية من عمر دور المجموعات لعدد كبير من المنتخبات، بدأت تتضح معالم القوى المهيمنة التي نجحت في فك شفرة النظام الجديد مبكراً. وقد برزت ثلاثة منتخبات تمكنت من حصد العلامة الكاملة (6 نقاط من مباراتين) لتعلن تأهلها الرسمي والنهائي إلى دور الـ32، وهي المكسيك، الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا.
المنتخب المكسيكي: استغلال مثالي لعاملي الأرض والجمهور
دخل المنتخب المكسيكي التاريخ كأول فريق يحجز تذكرته رسمياً إلى دور الـ32 في مونديال 2026، مستفيداً من الدعم الجماهيري الصاخب في معقله بملعب غوادالاخارا.
قدمت المكسيك تحت إشراف المدرب المخضرم خافيير أغيري عروضاً تتسم بالبراغماتية التكتيكية والصلابة الدفاعية المطلقة، حيث حققت انتصارين متتاليين بشباك نظيفة، محققة بذلك إنجازاً تاريخياً لـ "إل تري" يتمثل في الفوز بثلاث مباريات متتالية في كأس العالم (بامتداد النسخ السابقة).
بعد الفوز الافتتاحي المستحق على جنوب إفريقيا بهدفين دون رد، خاضت المكسيك مواجهة تكتيكية معقدة وصعبة أمام نظيرتها كوريا الجنوبية. اتسم الشوط الأول بالحذر الشديد وانعدام الفرص الحقيقية، لكن الشوط الثاني شهد تحولاً جذرياً؛ ففي الدقيقة 50، استثمر اللاعب لويس رومو خطأً كارثياً وسوء تفاهم بين حارس المرمى الكوري الجنوبي كيم سيونغ جيو والمدافع لي جي هيوك، ليخطف الكرة ويودعها في الشباك الخالية. وعلى الرغم من المحاولات الكورية المستميتة لإدراك التعادل في الدقائق العشر الأخيرة، إلا أن براعة الحارس المكسيكي راؤول رانجيل كانت حاسمة، حيث تصدى ببراعة لفرصتين محققتين في الدقيقة 87 من تسديدات تشو غوي سونغ ويانغ هيون جون، ليؤمن العبور التاريخي لفريقه. هذا التأهل، الذي احتفت به الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم في رسالة فخر وطنية، سيمنح المنتخب أفضلية خوض مباراة دور الـ32 في مكسيكو سيتي بأريحية بدنية وذهنية يوم 30 يونيو.

الولايات المتحدة الأمريكية: عودة لأمجاد 1930
أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية، إحدى الدول المضيفة، نضجاً تكتيكياً كبيراً تحت قيادة المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، لتصبح ثاني المتأهلين رسمياً لدور الـ32. وقد سجل المنتخب الأمريكي إنجازاً غاب عنه لقرابة قرن من الزمان، بتسجيله انتصارين متتاليين في افتتاح مشاركته المونديالية لأول مرة منذ نسخة عام 1930.
بعد فوز عريض ومقنع في الجولة الأولى على باراغواي بأربعة أهداف لهدف، دخل الأمريكيون مباراتهم الثانية في ملعب سياتل ضد المنتخب الأسترالي بثقة تامة، رغم افتقادهم لنجمهم الأول وقائد هجومهم كريستيان بوليسيتش بسبب الإصابة، لينهي اللقاء بفوز نظيف (2-0) ويؤكد صدارته للمجموعة الرابعة بست نقاط وستة أهداف، مقترباً من تحطيم رقمه القياسي لأكبر عدد من الأهداف في نسخة مونديالية واحدة.

الماكينات الألمانية: هجوم كاسح وكرة قدم شاملة
بعد فترات من التخبط والخروج المرير من دور المجموعات في نسختي روسيا 2018 وقطر 2022، أعلنت ألمانيا عن نفسها كمرشح فوق العادة في مونديال 2026 بقيادة المدرب الشاب جوليان ناغلسمان. حجز "المانشافت" مقعده في دور الـ32 بتسجيله تسعة أهداف في أول مباراتين، كأقوى خط هجوم في البطولة حتى الآن، مقدماً دروساً في الكرة الهجومية الشاملة.

الإقصاء المبكر: دروس قاسية
لم تكن زيادة عدد المنتخبات إلى 48 رحيمة بالجميع؛ فالفوارق الفنية والبدنية ظهرت بوضوح في العديد من المواجهات، مما أدى إلى تأكد الإقصاء الرسمي لثلاثة منتخبات مع نهاية الجولة الثانية. هذا الإقصاء يعكس أهمية الجاهزية التكتيكية الكاملة في المحافل العالمية الكبرى.
أول المودعين كان منتخب هايتي، ممثل منطقة الكونكاكاف، حيث اصطدمت هايتي بواقعية وقوة المجموعة الثالثة، حيث منيت بخسارتين متتاليتين، كانت آخرها هزيمة قاسية أمام البرازيل بنتيجة 3-0 في فيلادلفيا، ثاني المودعين كان المنتخب التركي، الذي خيب الآمال بعد خسارته الافتتاحية ثم هزيمته الثانية والقاتلة أمام باراغواي بهدف نظيف.
أما الوداع الأكثر إيلاماً فكان من نصيب المنتخب التونسي، الذي تكبد هزيمتين ثقيلتين أمام السويد واليابان في المجموعة السادسة كشفتا عن انهيار تنظيمه الدفاعي.

الطريق إلى "ميتلايف": نظرة نحو الأدوار الإقصائية
مع تزايد وضوح الرؤية واقتراب ختام دور المجموعات، تتشكل لوحة مباريات دور الـ32، وهو الدور الذي سيشهد مواجهات غير متوقعة نتيجة لتأهل 8 منتخبات من المركز الثالث ستصطدم حتماً بمتصدري المجموعات وفق خوارزمية معقدة أعلنها الفيفا سلفاً. المنتخبات التي حسمت تأهلها (ألمانيا، المكسيك، أمريكا) تراقب الآن هوية خصومها المحتملين من المركز الثالث، مما يمنحها ميزة ذهنية تتيح لمدربيها إراحة اللاعبين الأساسيين في الجولة الثالثة لتجنب الإرهاق.
ستقام مباريات دور الـ32 بين 28 يونيو و 3 يوليو، أما دور الـ16 بين 4 و7 يوليو، تليها ربع النهائي من 9 إلى 12 يوليو، ونصف النهائي في 14 و15 يوليو، وصولاً إلى المشهد الختامي المنتظر في ملعب "ميتلايف" بولاية نيويورك/نيو جيرسي في التاسع عشر من يوليو 2026.
تابعوا المزيد من سيدتي الرياضية: بعد إصابة كونيه الخطيرة أمام قطر في كأس العالم.. أخطر إصابات كرة القدم عبر التاريخ

Google News