mena-gmtdmp

سيكولوجية الفراق الرقمي بين الأزواج الشباب

زوجان كل منهما يمسك تابلت ومحمولاً يتصفحانه
الفراق الرقمي يُعد حالة الخرس الزوجي والتجاهل العاطفي الناتجة عن الهوس بالأجهزة الذكية - المصدر : magnific

الفراق الرقمي أو ما يُعرف بالانفصال النفسي والعاطفي الرقمي، وهو حالة الخرس الزوجي والتجاهل العاطفي الناتجة عن الهوس بالأجهزة الذكية واستنزاف الوقت في العالم الافتراضي، وتبرز هذه الظاهرة بقوة بين الأزواج الشباب، نتيجة الإدمان على الهواتف، العزلة الافتراضية، ومقارنة الزيجات بالنماذج الوهمية على منصات التواصل. حول هذا السياق سيدتي التقت خبيرة العلاقات الأسرية إلهام عبد المنعم لتخبرنا عن سيكولوجية الفراق الرقمي بين الأزواج الشباب.

الرقمنة والتكنولوجيا تحوّلان المشاعر الإنسانية إلى نصوص وإشعارات باردة

تقول خبيرة العلاقات الأسرية إلهام عبد المنعم لسيدتي : الفراق الرقمي أو "الطلاق العاطفي" هو ظاهرة حديثة يقضي فيها الزوجان أوقاتاً طويلة منعزلين رقمياً "عبر الهواتف ومواقع التواصل" داخل نفس الغرفة، مما يؤدي إلى الانفصال العاطفي وقتل الحوار، وهو يمثل "وباءً رقمياً" يُحول المشاعر الإنسانية إلى نصوص وإشعارات باردة، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة وتراكم الخلافات الزوجية، والذي يُدار ويُعلن عبر الفضاء الإلكتروني بين الشباب و يُعد هذا الانفصال مدمراً للأزواج الشباب، لأنه يحرمهم من بناء أساس متين للمودة والتفاهم في بداية حياتهم.

تحليل شامل لسيكولوجية هذه الظاهرة بين الأزواج الشباب

أولاً.. مسببات "الطلاق العاطفي" الفراق الرقمي

الإدمان الرقمي

الإدمان الرقمي هو "القاتل الصامت" للعلاقات الزوجية الحديثة، حيث الانغماس المفرط في الشاشات والذي يخلق فجوة عاطفية تُعرف بالفراغ أو الطلاق الرقمي، حيث يتواجد الزوجان معاً جسدياً تحت سقف واحد ولكنهما غائبان روحياً، مع انشغال كل طرف بعالمه الافتراضي، كالانشغال الدائم بالهواتف وتصفح المنصات على حساب الاهتمام بالطرف الآخر، مما يحرم الشريك من الدعم العاطفي.

تسطيح المشاعر

يؤدي "تسطيح المشاعر" إلى الفراق الرقمي والانفصال العاطفي بين المتزوجين الشباب، حيث يختزل التواصل في استبدال نبرة الصوت، و رسائل نصية وإيموجي(Emoji) تفتقر للدفء، مما يفرغ العلاقة من محتواها الوجداني، فيسطح عمق المشاعر، ويمنع الشريكين من إيصال حالتهما النفسية بوضوح ويخلق حالة من الفتور، الجفاف العاطفي.

المقارنة الوهمية

حيث يقارن الشباب حياتهم الزوجية الواقعية بما يُعرض في "السوشيال ميديا" من حياة مثالية مزيفة لحيوات الآخرين، مما يخلق معياراً كاذباً للحياة الزوجية السعيدة، ويجعل أحد الطرفين أو كليهما يشعر بأن شريكه "مُقصر" بناءً على هذه المقارنة، مما يولد سقف توقعات غير واقعي مستحيل التحقيق وشعوراً دائماً بعدم الرضا، ليتحول هذا الوهم إلى برود وانسحاب تدريجي من العلاقة، وسخطاً مستمراً على واقع حياتهم الزوجية.

الهروب من المسؤولية

الهروب من المسؤولية والاعتماد على العالم الافتراضي للتهرب من متطلبات الحياة الزوجية يُعد بالفعل من أبرز مسببات الفراق الرقمي، خاصة بين المتزوجين الشباب، كاستخدام العالم الافتراضي كمنطقة آمنة للهروب من ضغوط الحياة الزوجية والمشكلات الواقعية، حيث يؤدي هذا السلوك إلى تفريغ العلاقة من مضمونها الحقيقي واستبدال التواصل الإنساني بتفاعل سطحي عبر الشاشات.

الخيانة الرقمية

تُعد الخيانة الرقمية سبباً رئيسياً لزيادة حالات الانفصال والطلاق المبكر بين المتزوجين الشباب، وتأخذ أشكالاً متعددة مثل المحادثات السرية، وتبادل الصور أو مقاطع الفيديو، وإقامة علاقات عاطفية سرية مع أشخاص آخرين عبر الإنترنت "العالم الافتراضي"، مما يؤدي إلى تدمير الثقة، وانعدام الأمان، والبرود العاطفي داخل العلاقة الزوجية.

ثانياً .. مراحل الفراق الرقمي الفعلية

المرحلة الأولى "الاستبعاد"

الاستبعاد "الحظر وإلغاء المتابعة" كخطوة فعلية لإنهاء الارتباط، كقيام أحد الطرفين بحذف متابعة الآخر كقطع الخطوط الافتراضية الأولى لإنهاء أي تواصل مستقبلي، أو حظره مثلاً كإدراج الشريك في قائمة الممنوعين من الوصول للحسابات أو رؤية التحديثات كخطوة لبدء إجراءات الانفصال الواقعي أو للتجاوز النفسي، أو تقييد حساباته كخطوة انتقامية.

المرحلة الثانية "التلويح بالانفصال"

عندما تتراكم المشاعر السلبية، يبدأ التلويح بالانفصال كأداة ضغط" أو "وسيلة تهديد" عبر الإنترنت، حيث تبدأ هذه المراحل عادةً بالانعزال الافتراضي، مروراً بالغيظ وتجاهل الرسائل، وصولاً إلى مرحلة التلويح العلني بالانفصال، كمشاركة منشورات أو مقاطع فيديو تلمح إلى الخيانة، أو خيبة الأمل، أو إرسال رسائل مباشرة مثل "نحن لا نصلح لبعض" أو التلويح بالطلاق كتابياً، أو نشر اقتباسات وستوريات (Stories) تلمّح إلى سوء الاختيار أو الرغبة في التحرر.

المرحلة الثالثة "الإعلان الرقمي"

تغيير الحالة الاجتماعية إلى "أعزب" أو "مطلق"، ونشر بيان رسمي يوضح الانفصال "غالباً ما يكون رسمياً ومختصراً" ، أو حذف الصور العائلية بشكل مفاجئ، وهو ما يُعرف بالمحو الرقمي للذاكرة المشتركة، وفي بعض الحالات، يُستخدم الإعلان الرقمي أو المنشورات المروّجة كأداة ضغط لتشويه صورة الطرف الآخر علناً أمام الجمهور.
قد ترغبين في التعرف إلى: التكنولوجيا وتأثيرها على عادات وطقوس الخطوبة

ثالثاً.. الانعكاسات النفسية على الشباب

صدمة الواقع "سقوط الأقنعة"

عند التعايش الفعلي تحت سقف واحد، يصطدم الطرفان بالمسؤوليات والشخصيات الحقيقية، لتظهر المشكلات نتيجة الاختلاف الكبير بين "شخصية الشاشات" و"شخصية الواقع، ونتيجة التباين الصادم بين الصورة المثالية على الشاشات وقسوة الواقع، وينعكس ذلك على صحتهم النفسية مسبباً صدمة سريعة، عزلة، وتوتراً مزمناً، وتقلبات مزاجية.

الإخفاء المفرط وغياب الخصوصية

يعد الفراق الرقمي بأنه انفصال عاطفي وتواصل بارد يبدأ خلف الشاشات وينتهي بغياب الخصوصية وانعدام الثقة، حيث تتحول المشكلات الزوجية إلى مشاعات عامة للمتابعين، حيث يبدأ أحد الزوجين أو كليهما بوضع كلمات مرور صارمة للهواتف، وحظر الدخول للحسابات الشخصية كنوع من حماية المساحة الخاصة، ويُترجم هذا الإخفاء المفرط إلى انعدام في الثقة، مما يدفع الطرف الآخر للتجسس أو تتبع النشاط الرقمي، مما يقتل الخصوصية تماماً،  ويضاعف حجم الأزمة ويصعّب من إمكانية الصلح.

الإدمان الرقمي كآلية دفاعية

يلجأ المتزوجون الشباب إلى الإدمان الرقمي كآلية دفاعية، ومنطقة آمنة للهروب من التحديات الواقعية "هروب لاواعي" للتعامل مع ضغوط الحياة الزوجية، فيمنحهم العالم الافتراضي شعوراً بالتحكم، التقدير، والهروب من مشاعر المسؤولية أو الخلافات، مما يؤدي غالباً إلى "الطلاق الروحي" كحضور جسدي وغياب عاطفي.
قد ترغبين في التعرف إلى: كيف أفسدت معايير السوشيال ميديا فرصنا في العثور على شريك؟