بدأت علاقة ريماز العقبي مع الموسيقى منذ سن مبكرة، من خلال مدارس متخصصة بالفنون الأدائية في الولايات المتحدة، ، كانت تستمع إلى عبادي الجوهر ووردة في المنزل ، وفي المدرسة إلى موزارت وبيتهوفن، ومع أصدقائها إلى أنواع موسيقية مختلفة، هذا التنوع جعلها ترى الموسيقى كلغة عالمية، وليس كقالب واحد أو مدرسة واحدة، وبعد انضمامها كعضوة في الأوركسترا والكورال الوطني السعودي تمكنت من لفت أنظار العالم لموهبتها الذي ساهم بكل قوة وشغف في تمثيل الفن السعودي أمام جمهور عالمي واثبات قدرة الفنّ في اختراق الحواجز الثقافيّة.
ريماز العقبي

حدثينا عن بداية رحلتكِ مع الأوبرا رغم أنّ هذا الفنّ لم يكن شائعاً في السعوديّة؟
بعد دراستي الأكاديمية وجدت نفسي أنجذب بشكل طبيعي إلى الموسيقى الكلاسيكية، كما أن الأوبرا تحديدًا أسرتني لأنها تجمع بين الموسيقى والتمثيل واللغة والتعبير الإنساني، ولذلك لم أشعر يومًا أن اختياري لها كان قرارًا غريبًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لشغف رافقني منذ الطفولة.
وما دور أسرتك في دخولك هذا النوع من الفن؟
أنا محظوظة جدًا بعائلتي، والدتي كانت وما زالت أكبر داعم لي. كانت رافقني إلى التدريبات، وتنتظر ساعات طويلة، وتحرص على أن أحصل على أفضل تعليم ممكن، وكانت دائمًا أول من أجده في الصف الأول في حفلاتي. أما والدي، فكان ولا يزال السند الحقيقي لي، يدفعني دائمًا لأكون أفضل نسخة من نفسي، وفي الوقت نفسه يذكرني بمن أنا ومن أين أتيت.وأختي هي أكبر مشجعة لي، تقدم لي كلمات الدعم عندما أحتاجها، ولو لم أحظ بهذا الحب والدعم من عائلتي، لما كنت في المكان الذي أنا فيه اليوم.
وما سر اختيارك للعزف على آلة الفلوت تحديدًا؟
اخترتها لصوتها الرقيق وقدرتها المذهلة على التعبير عن المشاعر، وفي عمر الثامنة، كنت أشعر أن هناك شيئًا ساحرًا في الطريقة التي يتحول بها الهواء إلى موسيقى، وفي الكم الكبير من العاطفة والدفء الذي يمكن أن تحمله نغمة واحدة. أما السبب الثاني، فكان صديقتي المقربة في الكورال جيوفانا. التي فضلها أصبح الفلوت نفسه واحدًا من أقدم أصدقائي وأقربهم إلى قلبي، وتعلمت أن بعض أعمق الصداقات وأجملها تولد من الموسيقى.
ما تأثير دراستك للعلاقات الدولية وتخصصك الفرعي في الموسيقى وانضمامك لاحقًا إلى أوركسترا فردوس النسائية في مسيرتك الفنية؟
دراستي منحتني فهمًا أعمق للثقافات المختلفة، وساعدتني على رؤية الفن باعتباره وسيلة للحوار والتواصل بين الشعوب، وليس مجرد وسيلة للتعبير الفني. وتخصصي في الموسيقى كانت فرصة للحفاظ على هذا الجانب من حياتي وتطويره بشكل أكاديمي.
أما تجربتي مع أوركسترا فردوس، فكانت محطة مهمة جدًا في رحلتي، منحني العمل ضمن بيئة احترافية تضم موسيقيات من خلفيات وثقافات متنوعة ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضًا على المستوى الإنساني، وكيف يمكن للموسيقى أن تجمع أشخاصًا من مختلف أنحاء العالم في لغة واحدة.
كيف ساهمت رؤية 2030 في فتح آفاق جديدة أمامك كفتاة سعودية للمشاركة في تمثيل المملكة في الجولات العالمية لمبادرة «روائع الأوركسترا السعودية»؟
رؤية المملكة 2030 أحدثت تحولًا استثنائيًا في المشهد الثقافي والفني. حيث أصبح للفنان السعودي فرص حقيقية للتعلم والتطور والمشاركة في مشاريع ومبادرات ذات مستوى عالمي. والأجمل من ذلك أننا لم نعد نكتفي بمشاهدة هذه التجارب من بعيد، بل أصبحنا جزءًا منها، وممثلين لوطننا وثقافتنا على أهم المسارح العالمية. كامرأة سعودية، أشعر بالفخر لأنني أنتمي إلى جيل يعيش هذه المرحلة التاريخية، ويرى أثرها بشكل ملموس. ما نشهده اليوم لم يكن ليخطر ببال كثيرين قبل سنوات، وهذا يدفعنا جميعًا إلى تحمل مسؤولية تمثيل المملكة بأفضل صورة ممكنة.
ما هي اللحظة التي شعرتِ فيها بأن صوتكِ رسالة تمثل صوت المرأة السعودية؟
أعتقد أن هذا الشعور بدأ يتشكل لدي عندما رأيت بنات العائلة والأجيال الأصغر سنًا يتابعن الأوركسترا باهتمام، ويبدأن بطرح الأسئلة حول الموسيقى والغناء والعزف. عندها أدركت أن وجودنا على المسرح لا يقتصر على تقديم عمل فني، بل يحمل أيضًا مسؤولية جميلة تجاه الجيل القادم، وفي استخدام أصواتنا من أجل الفن والمحبة والثقافة، وأن نعكس صورة المرأة السعودية الحقيقية؛ امرأة طموحة، مبدعة، ومتمسكة بجذورها وهويتها. ما نشهده اليوم من وجود فنانات ومؤلفات وموسيقيات وقائدات أوركسترا وإداريات يساهمن في صناعة المشهد الفني، وكل واحدة منهن تضيف بصمتها الخاصة. هو نتيجة جهود أجيال عديدة، تؤكد أن المرأة السعودية أصبحت شريكًا حقيقيًا في بناء القطاع الثقافي والفني، ليس فقط كفنانة على المسرح، بل أيضًا كصانعة قرار، ومربية، ومعلمة، ومؤثرة في الأجيال القادمة. أجمل ما يمكن أن تحققه أي امرأة هو أن تفتح الباب لمن يأتي بعدها، وأن تجعل الطريق أكثر سهولة للأجيال القادمة.
إلى أي مدى ساهمت جولات الأوركسترا السعودية العالمية في نقل الموسيقى وتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالميًا؟
من خلال سلسلة “روائع الأوركسترا السعودية”، أصبح بإمكاننا تقديم موسيقانا ورقصاتنا وتراثنا الغنائي لجماهير ربما تسمع هذه الألوان للمرة الأولى في حياتها. وأشعر أن أحد أهم أدوارنا هو خلق حوار ثقافي وإثارة فضول الجمهور العالمي للتعرف على غنى وتنوع الموسيقى السعودية. وأن نقدم موسيقانا بصدق، وأن نحافظ على جوهرها وهويتها الأصيلة.
وعندما تتاح لنا فرصة اللقاء بموسيقيي البلد المضيف، نجد أنفسنا نتحدث عن المقامات، وعن الآلات التقليدية، نشرح لهم مثلًا أهمية السمسمية وبعض الآلات الشعبية الأخرى، ونشاركهم القصص المرتبطة بهذا التراث. وفي كل مرة أرى فيها هذا الفضول وهذا الإعجاب، أشعر أننا نقترب خطوة أخرى من هدفنا الأكبر، وهو أن تصل الموسيقى السعودية إلى العالم، وأن يجد الناس فيها ما نجده نحن من جمال وثراء.
ما رأيك بالتعرف على عازفة البيانو القطرية هالة العمادي

كيف تقيمين دور هيئة الموسيقى في دعم المواهب وتعزيز مكانة الأغنية السعودية محليًا ودوليًا؟
هيئة الموسيقى قامت بجهود استثنائية في دعم المواهب السعودية بمختلف توجهاتها الفنية، وأسهمت بشكل كبير في بناء قطاع موسيقي متكامل يتيح للفنانين فرصًا حقيقية للنمو والتطور. ومن خلال مبادراتها المتعددة، استطاعت أن تبني جسورًا حقيقية للفنان السعودي، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى الدولي. وهو ما يساهم في إثراء المشهد الموسيقي السعودي وإبراز تنوعه.
حدثينا عن حفل “روائع الأوركسترا السعودية” الأخير في روما، الذي تجلى فيه الإبداع السعودي بمشاركة أندريا بوتشيلي.
سيبقى حفل روما عالقا في ذاكرتي طويلًا. الوقوف على هذا المسرح العريق، ورؤية الموسيقى السعودية تُقدَّم أمام جمهور عالمي بهذا المستوى، كان أمرًا يدعو للفخر. ومشاركة الفنان العالمي أندريا بوتشيلي أضاف للأمسية طابعًا استثنائيًا، فهو اسم ارتبط بالموسيقى الكلاسيكية وبقلوب الملايين حول العالم. لكن أكثر ما أسعدني في تلك الليلة، هو رؤية الفن السعودي وهو يتألق بثقة، ويحظى بهذا القدر من التقدير والتفاعل.
في إنجاز سعودي في المحافل الفنية العالمية جاء فوزك بجائزة أفضل مؤدٍ كلاسيكي في جوائز Bravo Awards لعام 2025. ماذا يعني لك ذلك؟
كان هذا التكريم شرفًا كبيرًا ومسؤولية أكبر. شعرت بامتنان عميق لكل من دعمني وآمن بي، كما أنه تمثل خطوة جديدة لحضور الفنان السعودي في المحافل العالمية. وتذكرنا بأن الأحلام الكبيرة ممكنة، وأن العمل والاجتهاد والصبر تؤتي ثمارها في النهاية. وأعتبر الجوائز محطة جميلة تدفعني للاستمرار في التعلم والتطور وتقديم الأفضل.
ما النصيحة التي تقدمينها لمن يحلم بالانضمام إلى عالم الأوركسترا؟
لا أؤمن بوجود طريق واحد للنجاح. لكل مغنٍ رحلته الخاصة، ولكل صوت قصته المختلفة. المهم هو الاستمرار في التعلم والعمل، ودائمًا أقول: تعلموا النظريات الموسيقية. قد يبدو الأمر للبعض جانبًا أكاديميًا أو تقنيًا، لكنه في الحقيقة أحد أهم الأدوات التي يحتاجها أي موسيقي، سواء كان حلمه أن يعزف على العود مع الأصدقاء والعائلة، أو أن يقف يومًا ما على أكبر المسارح العالمية. وأهم صفة في المغني الأوبرالي الجيد هي التواضع والمعرفة هي التي تمنحه القدرة على الاستمرار والتطور. وبناء مسيرة فنية طويلة يظل طالب علم طوال حياته. كلما تعمقنا أكثر، اكتشفنا كم لا يزال أمامنا لنتعلمه، وأن الصوت كائن حي يتغير وينضج مع الوقت، ولذلك يحتاج إلى عناية دائمة وانضباط كبير.
للمسرح هيبة، هل يمكنك وصف شعورك لحظة وقوفك على مسارح العالم للغناء؟
لكل مسرح رهبة مختلفة، ولكل حفلة شعورها الخاص. هناك حفلات أشعر فيها بحماس كبير، وأخرى أشعر فيها بقدر من التوتر، وما إن تبدأ الموسيقى حتى يتغير كل شيء. يهدأ العالم من حولي، وتصبح الأفكار أكثر هدوءًا، وتختفي الكثير من المخاوف والشكوك. والمفارقة الجميلة أن التوتر الحقيقي أحيانًا لا يظهر إلا بعد انتهاء الحفل، عندما تدرك أن كل شيء قد انتهى، وأنك تركت جزءًا من روحك على المسرح.
ما أبرز التحديات التي واجهتك؟
ربما أن أتعلم كيف أثق بصوتي، وبنفسي، وأذكر نفسي دائمًا أن الموسيقى تجربة إنسانية في المقام الأول، وأن الإنسان يتعلم وينمو من خلال أخطائه. فالكمال ليس ما يجعل الفن مؤثرًا، بل صدقه وإنسانيته.
باعتبار أن الفن رسالة، ما الرسالة التي تودين إيصالها للجمهور من خلال الفن؟
الفن يحمل رسائل كثيرة، الموسيقى ترافق حياتنا اليومية بطرق قد لا نلاحظها دائمًا، لكنها تضيف شيئًا من السحر والإنسانية إلى أيامنا. ولهذا أؤمن بأن الفن ليس رفاهية، بل جزء من التجربة الإنسانية نفسها.
ما هو الأثر الذي تحلمين بتركه في عالم الأوبرا؟
أتمنى أن أساهم في جعل الأوبرا أكثر قربًا من الناس، وأن أوصل فكرة أن هذا الفن ليس حكرًا على فئة معينة، ولا يشترط أن يُقدَّم دائمًا في قوالب تقليدية طويلة حتى يتم الاستمتاع به.وأن الغناء الكلاسيكي، بشكل عام، قادر على مساعدة أي مغنٍ، مهما كان نوع الموسيقى التي يقدمها، على اكتشاف إمكانياته الصوتية والتعبيرية بشكل أعمق ،و في جوهره، هو فن إنساني قادر على أن يخاطب الجميع.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News