mena-gmtdmp

الإضطرابات التعليمية: لا تنتج عن تأخّر عقلي بل تكويني وتطال الذكور أكثر من الإناث

تشرشل وبيكاسو واينشتاين ودافنتشي: عظماء عانوا ما عانوه من الإضطرابات التعليمية، إلا أنهم رغم ذلك أبدعوا وتميّزوا بنجاحهم الباهر، حتى دخلوا التاريخ!

الإضطرابات التعليمية هي صعوبات خاصة تطال الطفل، فيصبح عاجزاً عن التعلّم ويعاني عسراً في القراءة والكتابة، فضلاً عن التأخّر اللغوي واضطراب في الخط وعسر في الحساب والمنطق والحركة.

"سيدتي" اطّلعت على هذه المشكلة من خلال مشاركتها في مؤتمر "كي لا تتحوّل الصعوبة إلى إعاقة" الذي نظّم في المركز الثقافي الفرنسي في لبنان، وشارك فيه اختصاصيون لبنانيون وفرنسيون.

لا تنتج هذه الإضطرابات عن تأخّر عقلي أو اضطراب نفسي أو حسي أو خلل في الإنخراط الإجتماعي بل هي تكوينية، يعاني من 6% إلى 8% من سكان العالم منها. وتتفاقم هذه المشكلة في بعض الدول، حيث لا يتوافر لهؤلاء الأطفال فرصة التشخيص المبكر أو حتى المتابعة الدقيقة، ما يزيد حدّة الإضطراب لديه واحتمالات الفشل المدرسي، بدون أن ننسى ضرورة أن تشمل المناهج التعليمية هذه الفئة من الأطفال، لمساندتهم. 



الوراثة...

ثمة جين وراثي مسؤول عن الإضطرابات التعليمية، خصوصاً عند زواج الأقارب، وهو يظهر بنسبة عالية عند الذكور أكثر من الإناث. وتبيّن الدراسات أن 60% من الأطفال الذين يعانون إعاقات تعليمية لديهم آباء أو أشقاء يعانون من المشكلة نفسها، بينما تتكرّر لدى 25% منهم هذه المشكلة لدى أحد أقاربهم. وهناك دليل آخر على تدخّل الوراثة في الإعاقات التعليمية، إذ أوضح البحث الذي أجري على التوائم أن 50% من غير المتطابقين منهم يعانون من الإعاقة نفسها، في حين أن 70% من المتطابقين لديهم الإعاقة ذاتها.

وتحاول الأبحاث العلمية الحالية التي يطلق عليها إسم "أبحاث التحليل الإرتباطي"، تحديد "الجين" المسؤول عن الإعاقات التعليمية لبيان ما إذا كانت هناك صفات أخرى سببها الجين مصاحبة لإعاقة معينة، حيث إن الجينات المتواجدة على "الكروموزوم" تورث كمجموعة واحدة، ومن المحتمل أن الأشخاص الذين يعانون من إعاقة تعليمية واحدة يشتركون في صفات أو علامات مميّزة، كلون العين أو فصيلة الدم، وذلك إذا تواجد الجين المسؤول عن الإعاقة على "الكروموزوم" نفسه، الذي يحمل هذه العلامة المميّزة. وتفسّر أمور أخرى توارث الإعاقة، من بينها تركيبة الدماغ غير السليمة والنمو غير الطبيعي والحساسية لأمراض معينة، وهذه الأمور تورث جيناتها.

بالمقابل، إن الجينات ليست السبب الوحيد لإعاقات التعلّم، فقد أثبتت دراسة أن بعض الأسباب تعود إلى عوامل غير معروفة، بدون أن ننسى الظروف المنزلية والمدرسية التي تلعب دوراً هاماً في تحديد ما إذا كانت تلك الإعاقة بسيطة أم أنها قد تتحوّل إلى إعاقة حقيقية معطّلة.

وفي هذا الإطار، يقول الإختصاصي في العلاج النفسي الحركي الدكتور جان ميشال باريل لـ "سيدتي" أن "الأسباب متعدّدة، بعضها ذات منشأ عصبي، المواد الكيميائية السامة المسبّبة للتشوّهات والتغييرات أثناء الحمل وبعد الولادة كإصابة الأم بالحصبة الألمانية أو تناولها للمواد المخدّرة أو الأدوية أثناء الحمل أو وراثية، فيما بعضها الآخر هو عبارة عن إصابات دماغية أثناء الولادة، تأخّر في النمو، إضطرابات حسية".


12 شهراً

تعتبر المنظّمة الأميركية للنطق واللغة والسمع أن اضطرابات التعلّم التي يكون سببها عسر لغوي في الناحتين اللفظية والكتابية، أي حين يشخّص الطفل بأن لديه صعوبة تعلّم محدّدة إذا ما كان معدّل نضوج اللغة لديه يبلغ حوالي 12 شهراً أي أقل من عمره الزمني، لا ينتج عنها ضرورة اضطرابات حسية أو ذهنية أو خلل في السلوك.

وتبرز مشكلات اللغة لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلّم، كصعوبة في فهم المفردات واستخدام قواعد اللغة بشكل سليم وسرد القصص وفهم القراءة  والكتابة كبناء نص أو جمل أو ضعف في التهجئة وضبط كتابة الكلمات، بدون أن ننسى الضعف في الخط والحروف المكوّنة بطريقة رديئة، مع مسافات غير متناسبة بين الحروف وخلط بين خط النسخ وأخطاء في استخدام تشكّل الحروف.

 

 

"الديسلكسيا"  

"الديسلكسيا" كلمة من أصل يوناني استحدثها رودولف برلين عام 1800 وتعني صعوبة في القدرة على القراءة في العمر الطبيعي، وهي ليست نتيجة تدنٍ في الذكاء، إنما تعني صعوبة في القراءة والكتابة بما يتفاوت مع مستوى الذكاء والقدرة العقلية. وتجدر الإشارة إلى أن الأولاد المعوقين ذهنياً بشكل عام تنقصهم المهارات في نواحٍ متعدّدة من التطوّر والنمو، بينما الطفل الذي يعاني من "الديسلكسيا" هو أذكى مما يظهر في عمله الكتابي. وتبدو هذه المشكلة لدى حوالي 10% من الأولاد، ويعاني منها الذكور نتيجة عدم التوازن في مركز اللغة في الدماغ أي عدم الفعالية بالربط بين القسم اليمين والقسم اليسار للدماغ، حيث تكون خلايا الدماغ مركّبة بشكل مختلف عن باقي الأولاد. وتتكاثر هذه الحالة في المجتمعات المكتظّة بالسكان وفي المناطق الفقيرة.

 

دور المعلّم

وتترتّب صعوبة على المعلّمين في التعامل مع هؤلاء الأطفال، خصوصاً من تتجاوز أعمارهم الست سنوات، وأحياناً ينعتونهم (ولو عن غير قصد) بالكسالى! ويجدر بالمعلّم أن يتبع التعليمات التالية:

_ دعوة هذا الطفل إلى الجلوس في الصف الأمامي.

_ التكلّم معه بوضوح.

_ منحه وقتاً إضافياً عن بقية الأولاد لإنجاز المهام الكتابية والمشاركة في الأمور الشفهية قدر الإمكان، بدون إثقال كاهله بالواجبات المنزلية.


 

ضرورة التقويم

بالمقابل، إن أبرز الحالات التي تستدعي تقويم النطق تتمثّل في:

-         إضطرابات اللفظ، التي يبدأ علاجها في مرحلة الطفولة.

-         التأخّر في الكلام أو في النطق لدى الأولاد.

-         "التأتأة" التي تبدأ عادةً في سنوات الطفولة، وتظهر بصور واضحة عند الإنفعال.

-         الصعوبة في القراءة والكتابة خلال السنوات الدراسية الأولى.

-         إضطرابات التحليل والمنطق والرياضيات.

-         الصعوبة في التركيز والإفراط في الحركة.


ويتمّ العلاج في عيادة خاصة أو في مؤسّسة لتقويم النطق، ويشمل فريقاً من الإختصاصيين كالمعالج النفسي والمعالج الفيزيائي ومعالج الحركة، فضلاً عن المرشد الإجتماعي. ويستغرق العلاج جلسات عدّة، تمتدّ كل واحدة منها على أربعين دقيقة، علماً أن المدّة العلاجية تختلف بين حالة وأخرى وفقاً لنوع الإضطراب وحالة المريض وسنّه.

وننصح الأهل بعدم منع الأطفال الذين يعانون من التأتأة أو اضطرابات في اللفظ من متابعة الكلام، أو تتمّة الجملة نيابة عنهم. أما بالنسبة إلى دور المدرسة، فيتمّ التنسيق عادة بين الفريق المعالج والمعلّمين لمراعاة وضع التلميذ الذي يعاني من مشكلات النطق كعسر القراءة أو الكتابة، على سبيل المثال. وكذلك، يطلب من المعلّمين مراعاة الوضع النفسي للطفل ومنع رفاقه من توجيه النقد أو الملاحظات الساخرة بحقّه.