بعد أعوامٍ من هيمنةِ الألوانِ الباردة، والمساحاتِ ذات الطابعِ الصناعي، تعودُ الألوانُ الترابيَّة لتفرضَ حضورها بقوَّةٍ في عالمِ الهندسةِ الداخليَّةِ مستوحيةً دفئها من عناصرِ الطبيعة، وجمالها الهادئ، فمن درجاتِ البيجِ، والبنِّي، والطيني إلى الأخضرِ الزيتوني، والرملي، أصبحت هذه الألوانُ خياراً مفضَّلاً لدى المصمِّمين، وأصحابِ المنازلِ الباحثين عن بيئةٍ مريحةٍ ومتوازنةٍ، تعكسُ البساطةَ والأناقةَ في آنٍ واحدٍ. ولا تقتصرُ عودةُ هذه اللوحةِ اللونيَّةِ على الجانبِ الجمالي فقط، بل وترتبطُ أيضاً بتزايد الاهتمامِ بالاستدامةِ، والتصميمِ الطبيعي، وخلقِ مساحاتٍ تمنحُ الشعورَ بالسكينةِ والانسجام مع المحيط، ما جعلها واحدةً من أبرزِ اتِّجاهاتِ الديكورِ الداخلي في الفترةِ الماضية. وفي هذا الحوار، تتحدَّثُ مهندسةُ الديكور غيدا كنعان لـ «سيدتي» عن فلسفتها في التصميم، ومصادرِ إلهامها، ورؤيتها لعودةِ الألوانِ الترابيَّة، وكيفيَّةِ توظيفها بأسلوبٍ عصري ومتوازنٍ.
إعداد: عفت شهاب الدين
التراث اللبناني والطراز الإيطالي..مصدر الإلهام الأول

تُؤكِّد غيدا كنعان أن رحلتها في عالم التصميم استُلهِمَت من أكثر من مصدرٍ، لكنْ التراثُ اللبناني، وثقافته الغنيَّة يأتيان في مقدِّمةِ هذه المصادر لما يتمتَّعُ به لبنان من حِرفيَّةٍ استثنائيَّةٍ، وقدرةٍ على تنفيذِ مختلف أنواعِ الصناعاتِ اليدويَّة. وتقولُ: «امتزجَ هذا الإرثُ بالطرازِ الإيطالي الحديث الذي سُحِرتُ بتفاصيله خلال دراستي في ميلانو، ثم إنني أؤمنُ بأن هذين العالمين يلتقيان بانسجامٍ وجمالٍ في التصميم».
كذلك تعدُّ السفرَ من أهمِّ مصادرِ الإلهام، خاصَّةً عند حضورِ فعالياتِ أسبوع التصميم في مختلفِ أنحاءِ العالم، إلى جانبِ استلهامِ الأفكار من التفاصيلِ اليوميَّةِ البسيطة مثل احتساءِ القهوة صباحاً، أو مشاهدةِ أعمالِ مصمِّمين تحترمُ تجربتهم.
ترى كنعان أن نجاحَ أي مشروعٍ يبدأ بفهمِ الغايةِ منه، واستيعابِ مفهومه العام، إضافةً إلى دراسةِ احتياجاتِ العميل، بما ينسجمُ مع فلسفةِ الاستديو وهويَّته التصميميَّة. وتُوضح أن العملَ يبدأ بإعدادِ لوحةِ الإلهام Mood Board التي تجمعُ بين القطعِ الفنيَّة، والعناصرِ الطبيعيَّة، والخاماتِ المختلفة قبل تحويلِ هذه الأفكارِ إلى رسوماتٍ ومخطَّطاتٍ بصريَّةٍ، واختيارِ الموادِّ المناسبةِ للتنفيذ.
على الرغمِ من أنها ترفضُ تفضيلَ مادةٍ على أخرى بسبب تنوُّعِ الخامات وجمالها إلا أن كنعان أكَّدت أن الرخام يحتلُّ مكانةً خاصَّةً لديها. تقولُ عنه: «الرخامُ عالمٌ غني بالملمسِ، والأنماطِ، والألوان». وأشارت المهندسةُ إلى أنها اعتمدت في أحدِ أحدثِ مشروعاتها ثلاثةَ أنواعٍ مختلفةً من حجرِ الأونيكس في مساحةٍ واحدةٍ، إذ امتلك كلُّ نوعٍ شخصيَّةً مختلفةً في اللونِ، والنقشةِ، والملمس.
بصمة خاصة.. مزج الثقافات بلا خوف
تكشفُ غيدا عن أن بصمةَ استديو التصميمِ الخاصِّ بها تكمنُ في الجرأةِ على دمجِ مدارسَ تصميميَّةٍ مختلفةٍ دون الخوفِ من عدم انسجامها. وتُوضح أن أعمالها تجمعُ بين الروحِ الشرقيَّة، والعمارةِ الوحشيَّة Brutalism، وأسلوبِ منتصفِ القرنِ الحديثMid-Century Modern لتقديمِ مساحاتٍ، تحملُ شخصيَّةً فريدةً وغنيةً بالتفاصيل.
وحول عودةِ الألوانِ الترابيَّةِ بقوَّةٍ، ترى كنعان أن العقدَ الماضي شهدَ سيطرةً للألوانِ الرماديَّةِ، والبساطةِ الصارمة، لكنْ هذه المساحات، وعلى الرغمِ من أناقتها، افتقدت في كثيرٍ من الأحيان الدفءَ، والهويَّةَ الشخصيَّة. وتقولُ المهندسة: «الألوانُ الترابيَّةُ مثل الطيني والرملي، والتيراكوتا، والزيتوني، والجوزي، والصدئي، تمنحُ المنازلَ إحساساً بالراحةِ والسكون، وهو ما يبحثُ عنه الكثيرون اليوم بعد أعوامٍ من عدمِ اليقين العالمي». وتُضيف: «الحياةُ الرقميَّةُ المتسارعة عزَّزت رغبةَ الإنسانِ في إعادةِ إدخالِ عناصر الطبيعةِ إلى منزله سواء عبر الألوانِ، أو الموادِّ الطبيعيَّة».
تُؤكِّد كنعان، أن انتشارَ الألوانِ الترابيَّةِ ليس مجرَّد صيحةٍ مؤقَّتةٍ، بل يعكسُ توجُّهاً عالمياً نحو تصميمٍ أكثر إنسانيَّةً وارتباطاً بالطبيعة. وتُشير المهندسةُ إلى أن هذه الألوان مستمدَّةٌ من عناصرِ الأرض نفسها مثل الحجرِ، والطينِ، والرملِ، والخشب، لذا تمتلك طابعاً خالداً لا يرتبطُ بالمواسمِ، أو بالصيحاتِ العابرة.
لا تعتقدُ غيدا أن هناك غرفةً واحدةً تُناسبها الألوانُ الترابيَّةُ أكثر من غيرها، لأن التصميمَ الداخلي يجبُ أن يُنظَر إليه بوصفه وحدةً متكاملةً حيث تختلفُ درجاتُ الألوانِ بين الغرف، لكنَّها تنتمي جميعاً إلى لوحةٍ لونيَّةٍ واحدةٍ. وحسبَ كنعان، الألوانُ الترابيَّةُ تنفردُ بمرونتها العالية، لذا يمكن دمجها بسهولةٍ مع الأسلوبِ العصري، والكلاسيكي، والبوهيمي، وحتى مع تصميمِ منتصفِ القرن الحديث.
تابعي أيضًا الأصفر الزبدي: يملأ الأجواء دفئاً ويضيف لمسات مشرقة إلى الديكور



- سجادة Hexagone من روش بوبوا Roche Bobois.
- مقعد Chieftain من هاوس أوف فين جول House of Finn Juhl
- إناء Host من أل أس أي إنترناشونال LSA International.
- منحوتة تعلق على الجدار Petaling Inward, Slicing Outward, 2024 للفنانة بري روايس Brie Ruais.
- طبق يعلّق على الجدار Tema e Variazioni n.399 من فورناسيتي Fornasetti
- بوفيه Efo cabinet Peter Mabeo من فندي كاسا Fendi Casa
خامات تبرز جمال الألوان الترابية
تُبيِّن كنعان أن هناك خاماتٍ مرافقةً لهذه الألوان تُسهم كثيراً في إبرازِ جمالها، وهي: الستانلس ستيل، والمعادنُ الفاتحة، والترافرتين، والأونيكس، وخشبُ الجوز، وزجاجُ مورانو، والحرير. وتُوضح أن المعادنَ تُضيف انعكاساً للضوء، ولمسةً معاصرةً، تمنعُ المساحاتِ الدافئةَ من أن تبدو ثقيلةً.
تُشير غيدا إلى أن تزايدَ الاهتمامِ بالاستدامة كان من أهمِّ أسبابِ انتشارِ الألوانِ الترابيَّة، لأن كثيراً من الناس باتوا ينظرون إلى منازلهم بوصفها ملاذاً هادئاً، يُوفِّر الراحةَ والسكينةَ بعيداً عن ضغوطِ الحياةِ اليوميَّة.
في المقابل، تُحذِّر كنعان من الإفراطِ في استخدامِ هذه الدرجات، لأن ذلك قد يجعلُ المساحاتِ تبدو مظلمةً، أو مزدحمةً بصرياً. وترى أن السرَّ يكمنُ في حُسن التنسيقِ بين الألوانِ، والأثاثِ، والإضاءة، بما يُحافظ على التوازنِ داخل المكان.
لمسات بسيطة تغيّر المنزل بالكامل
تُوضح المهندسةُ أن اعتمادَ الألوانِ الترابيَّةِ لا يتطلَّبُ ميزانيَّةً كبيرةً، أو تغييراً شاملاً للمنزل، وتنصح باستخدام: الأقمشة الطبيعيَّة مثل الكتَّان والقطن، والنباتات المنزليَّة، وقطع السيراميك، والوسائد والأغطية الترابيَّة، اللوحات الفنيَّة، سجادة مميَّزة، قطعة إضاءة لافتة. إذ إنها جميعاً كفيلةٌ بمنحِ المنزلِ دفئاً، وطابعاً طبيعياً بتكلفةٍ بسيطةٍ. وللحصول على تصميمٍ متوازنٍ، تنصحُ غيدا بعدم الاكتفاءِ بدرجاتِ البيج، والبنِّي، والكاراميل، والطيني، بل يجبُ إدخالُ عنصرٍ متباينٍ مثل: الستانلس ستيل، واللون العنَّابي، والخردلي بدرجةٍ واضحةٍ. كذلك تُؤكِّد أن اختيارَ وحدةِ إضاءةٍ مميَّزةٍ، يلعبُ دوراً أساسياً في إبرازِ جمالِ المساحة.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط



- مصباح Cairn للمصمّم لوريدز غاليه Laurids Gallée.
- علبة Roomy من أرماني كاسا Armani Casa
- سجادة Wave Rug Terracota من لينيي روزيه Ligne Roset | 4.
- شمعة معطّرة Earth من توم ديكسون Tom Dixon
- مقعد Ruff من تصميم باتريسيا أوركيولا Patricia Urquiola لعلامة موروزو Moroso

Google News