mena-gmtdmp

من التأسيس إلى الرؤية.. سردية الدولة التي تُقرأ

منال الحصيني
كتٌاب سيدتي ( مقالات الرأي )
كتٌاب سيدتي ( مقالات الرأي )

يرتبطُ يومُ التأسيسِ السعودي ببدايةِ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى في القرنِ الـ 18 الميلادي، عامَ 1727، على يدِ الإمامِ محمد بن سعود حينما وُضِعَت اللبناتُ الأولى لكيانٍ سياسي، يسعى إلى توحيدِ المكوِّناتِ القبليَّةِ ضمن إطارٍ واحدٍ، إلى جانبِ ترسيخِ الأمنِ، وبناءِ علاقةٍ متوازنةٍ بين الدولةِ وتلك الكياناتِ، لتُصبحَ مجتمعاً واحداً، لا تسوده التفرقةُ، أو زعزعةُ الأمن، ومن قلبِ هذا المشهدِ، تشكَّلت النواةُ الأولى لدولةٍ، تستمدُّ قوَّتها من الوحدة.

فالتأسيسُ كان له مسارُه الطويلُ المتواصلُ إذاً لبناءِ نظامٍ قادرٍ على البقاء، فهو لم يكن قصَّةَ انتصارٍ، فاستسلامٍ بقدرِ ما هو قصَّةُ صبرٍ طويلِ المدى، قصَّةُ دولةٍ تعثَّرت، ثم نهضت، لتُعيدَ بناءَ نفسها من جديدٍ فيما عُرِفَ بالدولةِ السعوديَّةِ الثانية، إذ كان جوهرها حاضراً ببناءِ دولةٍ صلبةٍ قادرةٍ على تحقيقِ الاستقرار، وحمايةِ المجتمعِ المحلي بمكوِّناته القبليَّةِ آنذاك، وتنظيمِ شؤونه على الرغم مما واجهته من تحدِّياتٍ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ، أدَّى بها إلى الانكسار، فأعادت الدولةُ حضورها مرةً أخرى على الرغمِ من تعقيداتِ المرحلةِ وخسارتها لاحقاً.

وذكرى إحياءِ يومِ التأسيسِ بأمرٍ من الملك سلمان لها وقعها الكبيرُ لدى كلِّ سعودي، فهذا اليومُ لا يروي قصَّةَ أحداثٍ تاريخيَّةٍ عابرةٍ بقدر ما هي قصَّةُ صبرٍ طويلٍ، تبدأ فيها سرديَّةُ دولةٍ عظيمةٍ، تعودُ بنا للصفحةِ الأولى من كتابِ «المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة» التي كُتِبَت فيها الهمَّةُ، وتشكَّلت بها الهويَّةُ قبل أن تُشكّل وتُكتب بها الدولة.

وتتمثَّلُ هذه الذكرى لا كاحتفالٍ عابرٍ، وإنما بوصفها مساراً مشرقاً من الصبرِ، يكشفُ طبيعةَ السرديَّةِ السعوديَّة، فالاحتفاءُ بالبدايةِ، هو ذاته احتفاءٌ بالاستمراريَّةِ، والحكمةِ التي أثبتت قدرتها على العبورِ عبر الزمن.

ومع توحيدِ المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّةِ عامَ 1932 على يدِ الملك المؤسِّس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، دخلت السرديَّةُ السعوديَّةُ فصلاً جديداً لدولةٍ حديثةٍ، بُنِيت بها الدولةُ السعوديَّةُ الثالثةُ بطريقةٍ مؤسَّساتيَّةٍ، واستثمرَ بها المواطن، معتمدةً على التنميةِ والاستقرارِ، لتستكمل بهما مسارَ السرديَّةِ التاريخيَّة، إلى كيف يمكن لها أن تتطوَّرَ، لتُواكبَ العالمَ دون أن تُفسِد هويَّتها.

وهذا التساؤلُ، هو ما مهَّدَ للانتقالِ بهذه السرديَّةِ التاريخيَّةِ إلى مرحلةِ الرؤيةِ (رؤية السعوديَّة 2030)، لتُعاد معها صياغةُ السرديَّةِ الوطنيَّةِ بوعي أكثر، لكون الرؤية، لم تنفصل عن الجذورِ التاريخيَّة، بل انطلقت منها، واستندت إلى تاريخٍ حي، ينفردُ بهويَّته، لتربطَ عمقَ التحوُّلاتِ بالمستقبل ومتطلَّباته.

بذلك، تكون ذكرى يومِ التأسيسِ مدخلاً فكرياً لفهمِ رؤيةِ المملكةِ 2030 التي اكتملَ بها نصُّ السرديَّةِ التاريخيَّةِ للمملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة الذي بدأ بالهويَّةِ، ومرَّ بالسيادةِ، ووصلَ إلى الطموح. فمن التأسيسِ إلى الرؤيةِ، تتشكَّلُ السرديَّةُ لدولةٍ، تُقرَأ بثقةٍ، وتعرفُ بدايتها، وتُحسِن كتابةَ فصلها المقبلِ، دولةٌ لا تكتفي بأن تكون حاضرةً، بل وفاعلةً أيضاً في تشكيلِ المشهدِ العالمي، وتُدرك وزنها، وتُحسِن توظيفَ تاريخها ورؤيتها، لتكون شريكاً مؤثِّراً في صياغةِ المستقبل.