mena-gmtdmp

مراجعة فيلم Spider-Man: Brand New Day.. توم هولاند يواجه العزلة تحت قناع البطولة

بوستر فيلم Spider-Man: Brand New Day - الصورة من الشركة المنتجة
بوستر فيلم Spider-Man: Brand New Day - الصورة من الشركة المنتجة

تنبيه: تتضمن المراجعة تفاصيل كاشفة عن أحداث الفيلم وهويات بعض شخصياته.

في عصر تحصنت فيه أفلام الأبطال الخارقين خلف متاريس الأكوان المتعددة، وأرهقت المُشاهد بتهديدات كونية متصاعدة ومؤثرات بصرية لا تعرف التوقف، يأتي فيلم «Spider-Man: Brand New Day» بمثابة مراجعة درامية مستحقة، وقرار واعٍ بالعودة إلى جذور الحكاية.

للمرة الأولى منذ سنوات، لا يواجه سبايدرمان خطراً يهدد بمحو الكون، بل خطراً أكثر قسوة وخصوصية: أن يفقد بيتر باركر صلته بالعالم وبنفسه، تحت وطأة الفقد والعزلة والنسيان.

لا يسعى الفيلم إلى إنقاذ كوكب أو مجرة بقدر ما يخوض معركة لإنقاذ الإنسان المختبئ خلف القناع. وبين شوارع نيويورك المزدحمة والشخصيات التي تتقاطع مع رحلته، تتشكل حكاية عن بطل يراه الجميع، بينما لا يتذكره أحد. حكاية يستعيد من خلالها سبايدرمان بوصلته الدرامية، حتى وإن تعثرت أحياناً تحت ضغط الزحام ومتطلبات عالم مارفل السينمائي الأكبر.

توم هولاند وجون بيرنثال في مشهد من الفيلم - الصورة من الشركة المنتجة

فخ الزحام.. حين تتعثر الخطوات الأولى

تبدأ الحكاية من نقطة درامية بالغة القسوة. بيتر باركر، في أوائل العشرينيات، يعيش وحيداً بعدما أصبح منسياً في ذاكرة أقرب الناس إليه. يراقب أصدقاءه من بعيد، ويحاول إقناع نفسه بأن ابتعاده عنهم شكل من أشكال الحماية، بينما تكشف تصرفاته أنه لم يتجاوز ما فقده.

تكمن الفكرة الأذكى في السيناريو في الربط بين هذا الصراع الداخلي والتهديد الخارجي. فالمعركة ليست منفصلة عن أزمة بيتر النفسية، بل تصبح، في أفضل لحظات الفيلم، امتداداً لها. وكل محاولة للسيطرة على العقل أو العبث بالذاكرة تعيد طرح السؤال نفسه: ماذا يتبقى من الإنسان حين تُسلب منه علاقاته ومكانته في حياة الآخرين؟

لكن هذه الفكرة القوية لا تجد دائماً البناء المتماسك الذي تستحقه، خصوصاً في الثلث الأول. ولا تكمن المشكلة في تعدد الشخصيات وحده، بل في أن دخول بعضها يسبق اكتمال الدافع الدرامي للخصم الرئيسي.

يظهر خط «سكوربيون» متقطعاً ومشوشاً في البداية، وتتزاحم إلى جواره كيانات وشخصيات فرعية، فيبدو الفيلم أحياناً منشغلاً بتهيئة المرحلة المقبلة من عالم مارفل أكثر من انشغاله بتطوير صراعه الأساسي.

ينتج عن ذلك إيقاع متفاوت، ومقدمة تطرح أفكاراً كثيرة قبل أن تمنح أياً منها الوقت الكافي للنضج.

عزلة وسط الحشود

أبرز ما يميز الفيلم أنه لا يقدم عزلة بيتر باعتبارها غياباً للناس من حوله، بل باعتبارها عجزاً عن الاتصال بهم.

نيويورك مزدحمة كعادتها، والمقاهي والشوارع ووسائل النقل تضج بالحركة، ومع ذلك يبدو بيتر منفصلاً عن كل ما يحيط به. كثيراً ما تضعه الكادرات في أطراف الصورة، أو خلف نوافذ وحواجز زجاجية، وكأن المدينة التي كان يتحرك داخلها بحرية أصبحت تراقبه من مسافة.

حتى شقته الصغيرة لا تعمل بوصفها مكاناً للسكن فقط، بل باعتبارها انعكاساً لانكماش حياته. الفراغ، والإضاءة الخافتة، والوجبات الرخيصة، والصمت الذي يستقبله بعد مغامراته الليلية، كلها تفاصيل تمنح وحدته وزناً يتجاوز الحوار المباشر.

هنا ينجح الفيلم في التقاط مفارقة مؤلمة: سبايدرمان حاضر في حياة المدينة أكثر من أي وقت مضى، بينما بيتر باركر يكاد يختفي تماماً.

والأهم أن الفيلم لا يعامل هذه العزلة باعتبارها تضحية بطولية نبيلة فقط، بل يكشف جانبها الأكثر إرباكاً: بيتر يختار الاستمرار فيها. هو يخشى الاقتراب من أصدقائه بقدر ما يشتاق إليهم، ويتمسك بفكرة حمايتهم حتى حين تتحول هذه الحماية إلى ذريعة للهروب من احتمالات الرفض والألم.

توم هولاند خلال التصوير في نيويورك - الصورة من الشركة المنتجة

شوارع نيويورك تتنفس من جديد

يتخذ المخرج ديستين دانيال كريتون قراراً فنياً موفقاً بمنح التصوير الخارجي والمواقع الحقيقية حضوراً واضحاً، وتقليل الإحساس بالبيئات الرقمية المغلقة التي سيطرت على أجزاء سابقة.

يستعيد الفيلم نيويورك باعتبارها بطلاً أساسياً في الحكاية، لا مجرد خلفية تتحرك أمامها الشخصيات. كما تقترب حركة الكاميرا وتصميم المعارك، في بعض المشاهد، من خشونة أفلام الجريمة وأكشن الشوارع، بدلاً من الاكتفاء بالاستعراض البصري الخالص.

وتكتسب آلية التأرجح بين المباني وزناً فيزيائياً ملموساً. نشعر بسرعة الحركة وخطورتها، وبالمسافات التي يقطعها الجسد في الهواء، ولا تبدو المعارك مصممة لإبهار العين فقط، بل للكشف عن حالة بيتر: اندفاعه، غضبه، وإهماله المتزايد لسلامته.

أما لوحة الألوان المائلة إلى القتامة، فتعكس الانطفاء الداخلي للشخصية من دون أن تسلب نيويورك حيويتها، لتقدم واحدة من أكثر نسخ السلسلة واقعية واتصالاً بالأرض.

توم هولاند.. نضج يتجاوز حدود الكوميكس

يبلغ توم هولاند في هذا الجزء أكثر مراحل أدائه نضجاً ضمن أفلامه الأربعة بشخصية سبايدرمان.

لا يعتمد هذه المرة على الطاقة الشبابية وخفة الظل اللتين ميزتا ظهوره الأول، بل على الاقتصاد في التعبير. لغة جسده منكمشة، وخطواته مثقلة، ونظراته تبدو كأنها تبحث باستمرار عن أشخاص يعرفهم جيداً ولا يعرفونه.

ينجح هولاند في تجسيد شاب يواصل أداء واجبه كبطل، بينما تتآكل حياته الشخصية في صمت. لا يقدم الحزن على هيئة انفجارات عاطفية متتالية، بل يتركه يتسرب من التفاصيل: طريقة جلوسه، وتردده قبل الاقتراب من أصدقائه، ومحاولاته الفاشلة للتظاهر بأنه اختار هذه الوحدة بإرادته الكاملة.

حتى حضوره الجسدي في المعارك تغير. يتحرك بيتر بعنف واندفاع أكبر، وكأن القتال أصبح وسيلته الوحيدة للتنفيس عن مشاعر لا يستطيع الاعتراف بها. وهنا تتكامل الحركة مع الأداء بدلاً من أن تقطعه؛ فسبايدرمان الذي يواصل المزاح أمام خصومه لم يعد قادراً على إخفاء إنهاك بيتر باركر خلف القناع.

إنه أداء أكثر هدوءاً وثقة، يثبت أن هولاند قادر على حمل فيلم درامي، لا أن يكون مجرد واجهة شابة لمشروع تجاري ضخم.

توم هولاند في مشهد من الفيلم - الصورة من الشركة المنتجة

الأداءات التمثيلية.. دماء جديدة وتناقضات جذابة

إلى جانب النضج الاستثنائي الذي قدمه توم هولاند، زخر الفيلم بحضور مميز لنجوم أضافوا أبعاداً نفسية وواقعية أثرت الحبكة الدرامية، ويمكن تلخيص أبرز هذه الإضافات في التالي:

  • سادي سينك (جين غراي): قدمت أداءً مذهلاً يمزج بين الشراسة والهشاشة في دور خصم بيتر الذي يعجز عن قراءة عقله. هذا الاستعصاء الذهني خلق مفارقة درامية عبقرية، ليتحول الصراع بينهما إلى معركة تنتهي بالفهم والمغفرة بدلاً من الانتقام.
  • جون بيرنثال (المعاقِب): أضاف واقعية خشنة وتناقضاً أيديولوجياً مثيراً مع مثالية سبايدر مان المعتادة. عزز بيرنثال الطابع "الأرضي" للفيلم، بمواجهات تعتمد على اختلاف مفاهيم العدالة والمسؤولية في أزقة وشوارع المدينة.
  • فلورنس بيو (يلينا بيلوفا): خطفت الكاميرا بظهور قصير ومرح خفف من حدة التوتر النفسي. بذكائها وخفة ظلها المعتادة، قدمت فاصلاً حيوياً يمزج بين السخرية والخطورة، دون الإخلال بنبرة الفيلم السوداوية.
سادي سينك في مشهد من الفيلم - الصورة من الشركة المنتجة


إم جاي ونيد.. وعد انتظرناه طويلاً ولم يكتمل

رغم إعجابي بالفيلم، كان تهميش خطي إم جي ونيد أحد أكثر عناصره إحباطاً بالنسبة إليّ، حتى وإن اختلف بعض جمهور مارفل مع هذا الرأي، ورأى أن تقليل حضورهما كان ضرورياً لتكريس عزلة بيتر وإطلاق مرحلة جديدة من حياته.

المشكلة بالنسبة إليّ ليست مجرد أنني كنت أرغب في مشاهدة زندايا وجاكوب باتالون لدقائق أطول، بل أن الجزء الثالث أغلق أحداثه على وعد درامي واضح لم يحصل هنا على التطور الذي يستحقه.

في نهاية «Spider-Man: No Way Home»، وعد بيتر إم جي بأنه سيجدها ويشرح لها كل شيء بعد أن تمحو التعويذة ذاكرة الجميع. ثم شاهدناه يذهب بالفعل إلى المقهى حاملاً ورقة كتب فيها ما يريد قوله، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة ويختار الابتعاد عنها وعن نيد.

لم تكن تلك النهاية مجرد فراق عاطفي مؤقت، بل كانت بداية خط درامي كامل: هل سيحافظ بيتر على قراره؟ هل سيخبرهما بالحقيقة؟ وهل تستطيع علاقة بُنيت على سنوات من الحب والصداقة أن تجد طريقها من جديد بعد محو الذاكرة؟

لكن النتيجة جاءت أقل كثيراً من حجم البناء والانتظار.

مشاهد إم جي قليلة، ومسارها مع بيتر لا يحصل على المساحة التي تسمح له بالنضج أو الوصول إلى نهاية مُرضية. صحيح أن الفيلم يمنحهما مشهدين دراميين مؤثرين بين شخص يحمل تاريخ العلاقة كاملاً وشخص يعيش اللحظة بلا ذاكرة مشتركة، لكنهما يظلان مجرد مشهدين منفردين داخل خط درامي يبدو مبتوراً.

أما نيد، فيكاد يمر داخل الفيلم بلا دور مؤثر في قلب الأحداث. وجوده محدود ووظيفي، ولا يحصل على مسار يوازي أهمية صداقته مع بيتر في الأفلام الثلاثة السابقة. لا نرى أثراً كافياً للفراغ الذي تركه بيتر في حياته، ولا يمنحه السيناريو لحظة توازي الوزن العاطفي للعلاقة التي جمعت الشخصيتين.

قد يكون تقليل حضورهما مفهوماً من ناحية الرغبة في دفع بيتر إلى عالم أكثر وحدة ونضجاً، لكنه يظل قراراً محبطاً؛ لأن إم جي ونيد لم يكونا مجرد شخصيتين مساعدتين، بل شكلا عبر ثلاثة أفلام ركيزتي الحب والصداقة في حياة بيتر.

زندايا في مشهد من الفيلم - الصورة من الشركة المنتجة

حين ينجح الفيلم.. وحين يتراجع

يكون «Spider-Man: Brand New Day» في أفضل حالاته حين يثق في بساطة صراعه: شاب وحيد يحاول مواصلة إنقاذ الآخرين بعدما فقد كل من كانوا ينقذونه من نفسه.

لكنه يتراجع كلما استسلم لإغراء التوسع، وسمح للضيوف والتمهيدات والارتباطات المستقبلية بأن تزاحم رحلته الداخلية. بعض الشخصيات تمر أسرع مما ينبغي، وبعض الأفكار تطرح من دون أن تحصل على نهاية درامية مكتملة.

وتظل المفارقة أن الفيلم الذي يناقش فقدان بيتر لهويته يكاد يفقد هويته الخاصة أحياناً وسط تعدد الأسماء والقوى والخطوط التي يتعين عليه احتواؤها.

ومع ذلك، يظل قلب الفيلم واضحاً ومتسقاً. فالمعارك والخصوم والمفاجآت ليست سوى طبقات تحيط بسؤال أكثر بساطة ووجعاً: هل يمكن للبطولة أن تستمر حين لا يبقى للبطل مكان يعود إليه؟

التقييم النهائي لفيلم Spider-Man: Brand New Day: (4 من 5)

لا يخلو «Spider-Man: Brand New Day» من التفاوت، ولا ينجو بالكامل من مشكلات الزحام التي أصبحت جزءاً من صناعة أفلام الأبطال الخارقين، لكنه ينجح في استعادة ما افتقدته السلسلة أحياناً: الإنسان خلف القناع.

إنه فيلم عن الفقد بقدر ما هو فيلم عن البطولة، وعن الخوف من الاقتراب بقدر ما هو عن الشجاعة. والأهم أنه يدرك أن القوة الخارقة لا تلغي هشاشة صاحبها، وأن إنقاذ المدينة قد يكون أسهل أحياناً من طرق باب شخص نحبه.

قد يعجبك.. مراجعة فيلم "The Odyssey".. هل تاه أوديسيوس بين عقارب ساعات نولان؟

لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»

وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»

ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»