mena-gmtdmp

غذاء الحب

روى لي عجوز حكيم، أنه في سالف العصر وقديم الزمان، أنّ ملكًا من الملوك كان مولعًا بتحديد وسائل للقياس، واختراع وحدات لحساب كل شيء، أراد الملك أن يضع يده على حقيقة الحب، جمع الملك حاشيته ووزراءه، وقال لهم: أعرف احتساب الأزمان، والأوزان، والأطوال، والحرارة، فكيف نحسب الحب؟ وكيف نقيسه؟ هل يقاس الحب بميزان؟ أم بمزولة؟ أم بمسطرة؟ أم بترمومتر؟ فحار الجميع، ولم يتمكن أي من الموجودين من أن يعطي الملك رأيا نافعًا، وبدأ الملك يشك في وجود الحب، ويعتقد أنه أكذوبة أو أسطورة من صناعة الشعراء والفنانين، وأنه لا حقيقة لوجوده، وأخيرًا هداه تفكيره إلى تجربة يجريها ليتبين بها حقيقة الأمر، فأمر بصناعة صندوق من الزجاج، به فتحات لإدخال الهواء، ووضع الصندوق في غرفة خالية من غرف قصره المنيف، ثم أمر بإحضار طفل رضيع حديث الولادة، وأمر بوضع الرضيع في الصندوق الزجاجي، وأمر إحدى جواريه بالاعتناء بالرضيع الصغير، بحيث تطعمه، وتغيّر له، بشرط ألا تلمسه، وألا تقع عيناه على عينيها، وبعد أيام قليلة فوجئ الجميع بموت الرضيع الصغير، فقام الملك بدعوة أطبائه لفحص جثة الصغير والتعرف على سبب الوفاة، وبعد الفحص بانت النتيجة، وهي أن نقص الحب هو سبب الوفاة.

لا نستطيع أن نعيش بدون حب يومًا واحدًا، صغارًا كنا، أو كبارًا، نساءً كنا أو رجالاً.

أتذكر هذه القصة كلما قمت بزيارة لإحدى دور الأيتام، وهي كثيرة ومنتشرة في معظم المدن، أذهب في المناسبات وحدي أحيانًا، وبصحبة آخرين، آخذ معي الحلوى والألعاب، لإدخال السرور على قلوب الصغيرات، ولكنني ألمح في نظرات العيون جوعًا للحب لا يعلوه جوعهن لأي من الحاجيات المادية من مثل تلك التي نجح الملك في قياسها، إنهن جميعًا في احتياج للحب.

كنت في زيارة لمدينة ساحلية عربية، ووجدت دارًا للأيتام، هي عبارة عن شقة في الدور الأول من عمارة قديمة، تقطنها 56 بنتًا يتيمة، تتراوح أعمارهن بين الخمس سنوات والخمسة عشر عامًا، الشقة مكتظة باليتيمات، وتحلقن حولي في الصالة، وكانت نظرات العيون جميعًا تحمل نفس الرسالة؛ نداءات الحب!

وانتقلت من هذه الدار البائسة لأخرى ذات أوضاع رائعة، هي ليست دارًا للأيتام فقط، بل أيضًا مدرسة داخلية ذات فصول بديعة، ومستشفى نظيف، وغرف الإقامة واسعة، فالدار تقدم خدمات متكاملة، تدمج الأولاد الأيتام بالآخرين الذين يدرسون معهم في نفس المدرسة، والدار تزخر بأنواع الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية، ومع كل هذا النعيم المادي، كانت الأعين تكاد تنطق بنفس الرسالة التي قرأتها في الدار الأولى: نظرات الجوع للحب والعطف.

بدأت أشك في صلاحية فكرة تجميع الصغار من الأيتام واللقطاء، وإيداعهم معًا في دار واحدة منعزلة عنا، بحيث يقتصر دورنا في كفالة هؤلاء الصغار على التبرعات المادية فقط، إنهم يحتاجون إلى الحب كما يحتاجون للطعام والشراب. أعجبني مشروع تقوم به جمعية رسالة، يتطوع فيه الشباب والفتيات، ليقدم كل منهم عطاء الحب لهؤلاء الأيتام.

ونقص الحب ظاهرة سلبية لا يعانيها الأيتام فقط، ولكنها متفشية في معظم شرائح مجتمعاتنا العربية، وهي من وجهة نظري الشخصية السبب الرئيسي في عبوس الوجوه، وضيق الصدور، والمرارة التي تشعر بها النفوس، والغريب أن الحب لا يشترى ولا يباع بالمال، ولذلك نجده ناقصًا بين الأغنياء والفقراء سواءً بسواء.

ليتنا جميعًا ننتبه إلى أهمية الحب، فنزيد من جرعاته، أمهات وأبناء، زوجات وأزواج، إخوة وأخوات، أصدقاء وصديقات، فبالحب ستكون حياتنا أفضل وأسعد.