
الآن انتهت المأساة. رحلت الأم المقيمة في الإنتظار.
وقد مضى على توقف الزمن لدى "أوديت سالم" أربعٌ وعشرون سنة. أي منذ أن أعدّت مائدة الغداء لولديها "ريشار" (22 سنة) و"ماري كريستين" (19 سنة).
***
وكانا قد خرجا الى العمل، في صباح ذلك النهار، من شهر أيلول، عام 1985. ومثل عادتهما في كل يوم.
وعندما حلّ وقت الغداء لم يرجعا الى البيت.
ولم يكن التأخّر على موعد من عادتهما؛ خصوصاً وان الوالدة أعدّت لهما طعاماً لذيذاً؛ ومزجت كل عناصر "التبّولة"، مُبقية الزيت حتى اللحظة الأخيرة، كي لا تفقد الخضار نضارتها.
هكذا كانت "أوديت" تؤكّد، كلّما جلست تروي الحكاية طوال أربع وعشرين سنة.
***
لكن قَدَر "أوديت" لم يكن بمثل صبرها وانتظارها، إذ تعجّل خطفها حين صدمتها سيارة مسرعة في 16 أيار 2009، وهي عائدة الى الخيمة، وقد جعلتها بيتها؛ مثلها، مثل سائر أهالي المخطوفين المجهولي المصير؛ والذين يُبقون قلوب أمهاتهم وأحبّائهم معلّقة فوق حبال الإنتظار.
***
عندما التقيتها آخر مرّة أكّدت لي "أوديت" أنها لم تعد تُقيم في منزلها القريب من حيِّنا؛ فقد انتقلت لتقيم مع زملائها، أهالي المخطوفين، في الخيمة التي شيَّدوها باللهفة ودموع قلوبهم وعيونهم، في حديقة "جبران" قبالة مبنى "الإسكوا" في وسط بيروت.
وبقيتُ أتسقّط أخبارها من بعيد، الى أن صدمني نبأ الحادث، والسائق الأرعن، الذي وضع الخاتمة لحياة امرأة تصلح أن تكون بطلة رواية مأساوية بامتياز.
***
وكان لقائي الأول بها قبل عقدين من الزمن. وفي إثر خطف ولديها. وهي تُحاول النهوضَ من الصدمة، كي تُواصل حياتها، بعدما فقدت زوجها في إثر خطف الولدين: "قلبُهُ لم يتحمّل الصدمة". هكذا أكّدت لي، عندما استقبلتني في صالون دارها، بعدما حوّلته الى مشغلٍ للخياطة الفنّية المميّزة "هوتْ كوتور".
***
ما زلتُ أحتفظ بكل الثياب الجميلة التي خاطتْها لي "أوديت"، بذوقها المُرْهَف، وحِسِّها المميَّز بالجمال. لكن جاء يوم توقَّفت فيه عن العمل بسبب ضعف نظرها، وسوء حالتها الصحّية. إنما بقي التواصُل بيننا، وإن متقطِّعاً.
وكنتُ أبحثُ عن وجهها خلال التظاهرات السلمية، مع ذوي المخطوفين وبقيتْ دائماً في الطليعة.
***
وظلّ المشهد يتكرّر في وسائل الإعلام، وكلما زار مسؤول دولي العاصمة، أو لدى إثارة موضوع المُغيَّبين قَسْراً؛ ويغلب فيه حضورُ النساء: أمهات أو أخوَات وزوجات. ويقفن بصمت، وقد رفعتْ كلُّ واحدة منهن صورةَ أحبّائها المغيَّبين، الأبناء، والبنات؛ أو الإخوة والأخوات. وكانت "أوديت" مميَّزة بغياب الولدين.
***
في بعض الأحيان، وفيما كنتُ أتأمّل المشهد المتكرّر، ظلّ يراودني التساؤل: وهل ما أشاهده حقيقي، أم هو من بعض الكوابيس؟...
وبقي المشهد يذكّرني بلوحة "سوريالية" خارقة؛ مما يجعلني أتساءل: كيف يُترك هذا الأمرُ الإنساني بامتياز، مشلوحاً في الكواليس الخلفيّة من الإهتمام الإنساني؟ وكيف بوسع الأمهات أن يتحمّلْن ألم الفراق والقلق الذي لا يُفضي الى باب نور؟...
وكنت أبصرُ وجه "أوديت" في وجوه أولئك المعذّبات بعواطفهن وهي حقيقية، طبيعية ومشروعة...
إنما الخارج على كل شرْع فهو تَغَاضي المسؤولين عن تلك المأساة الإنسانية بامتياز، وتركها سنوات من دون الوصول الى حلّ!...
***
لم أتمكّن من المشاركة في حفل وداع "أوديت سالم" واكتفيت بالمتابعة من خلال وسائل الإعلام؛ واكتشفتُ كم ان المصائب تُقرّبُ الإنسان من أخيه الإنسان. وكيف ان الدموع التي سكبها رفاقُ الخيمة، كانت صادقة، وأبلغ من كل البيانات الرسمية.
***
أما أنا، فسوف احتفظ من الصديقة "أوديت" بتلك الملابس الحاملة بصمتَها وتوقيعَها؛ وأرى فيها وجهَها الطيّب، وابتسامةً خفيفة ظلَّت تُداري بها آلامها برغمِ كل الجراح.

Google News