اعلم
يا أخي أن في الجماعة رحمة، وأن في القرب أنسا، وفي الاتصال رواء وبقاء، وفي الانقطاع
عدما، لا أذاقك الخالق مرّ الوحدة، وقسوة الانفراد، وصعوبة الوحشة، تبعتها راضيا والليل
موغل هنا، ما زال في بدايته هناك في مدينتي التي أقلعت منها، هذا زمني المؤقت، وهناك
زمني الدائم، وداخلي توقيتي الخاص الذي لا يطلع عليه أحد، ولا يدري كنهه أحد، صعدنا
إلى الطابق الثامن، ومن النافذة العريضة التي تتوسط الردهة، المتفرعة إلى شعبين تطل
عليهما الغرف أقلع بصمتي وبصري في العتمة صوب بخارى، ولأن المعالم مبهمة والحدود مطموسة،
والمدن لا تفصح عن مكنونها ليلا، خاصة العتيقة منها، فكدت أرى القوافل الساعية عبر
طريق الحرير، صاعدة إلى الصين أو قادمة، كدت أرى الاجتياح، الغزاة واستباحة المدينة،
ومن الأنقاض، والأشلاء تقوم من جديد فكأن دمارا لم يقع، وكأن غزوا لم يبدأ أو ينتهِ،
أقلعت صوب مراحل شتى، متلمسا ما تبدد غير أن رحيلي لم يدم، إذ لمس صاحبي كتفي، قال
إن الدقائق العشر انقضت، كانت قد طلبت انتظارنا هذا القدر حتى تتهيأ صاحبتها، التي
تشاركها غرفتها، مضيْنا في الممر المؤدي، طرقت الباب، بدت هي تسطع في الفراغ المؤدي،
ترتدي قميصا ضيقا، تخلت عن البلوفر الصوفي الفضفاض، كان يحجب ما يبدو منها، ما أطالعه
من استدارة ملساء لكتفيها، وهذا موطن أوثر أن أحط عنده، وأركن، أما خصرها فبلغ من دقته
أنه أوشك يكون رمزا.
أتتعمد وهي مكلفة بمصاحبة رجل لا تعرفه وما من سابق علاقة به أن تموه مناجم ثرواتها، ودقائق كنوزها؟
لم أكن قادرا يا أخي على إدراكها جملة، إنما كان لابد من انتظار الأوان المواتي، والذي قد يأتي أو لا يأتي، كان لا بد من انتظار الأوان المناسب لجريان المياه باتجاه النبات، فهذا النبات يهب الزرع حياة، وهذا الماء نفسه لو غمره في توقيت مخالف، فسيقتله، إنه الظرف والحال يا أخي، أيدك الله بفهم من عنده، وقدرة. عند ولوجي الغرفة، ضيقة يا أخي، في المواجهة باب يؤدي إلى الشرفة، وبجوار الباب سرير ضيق لا يتسع إلا لشخص واحد متمدد، فوقه أقعدت ناتاشا زميلتها تلك الليلة، دقيقة التكوين، هادئة، مبتسمة، دائما، تومئ ولا تتكلم، وقد تلفظ كلمة أو كلمتين، لكنها طرف أصيل في الجمع والصحبة بحضورها اللطيف، الخفيف، بجوارها جلس الشاب النحيل، الهادئ، الذي يتقن لغة لاوس، قال إنه نظر يوما إلى الخريطة، رأى موقع تلك البلاد في آسيا، بلاد صغيرة، نائية، فتساءل عما يجري فيها، وحاول أن يتخيل مدنها وقراها، جبالها ووديانها، كثيرا ما تردد داخله سؤال: ماذا في لاوس؟ حتى إذا تقدم به العمر، والتحق بالجامعة بمعهد اللغات الأجنبية تحديدا، فرح وسر إذ وجد لغة لاوس، وتقدم مع اثنين آخرين، أمضى أعواما أربعة، بعدها صار يصحب الضيوف القادمين من هذا البلد النائي، ومما سره وأثار الرضا عنده سماعه ثناءهم عليه، وإتقانه اللغة، كانوا يقولون له: أنت تتحدث لغتنا أفضل منا، وما زال ينتظر الفرصة لزيارة إلى ذلك البلد، لم يره بعد، في الحجرة مقعدان، أحدهما قريب من الباب المؤدي إلى الشرفة، وهذا ما ركنت إليه وتلملمت فوقه، أما صاحبي فجلس في المقعد المجاور للسرير الذي تربعت هي فوقه، ثمة منضدة صغيرة، ودفاتر وأوراق ونشرات سياحية، وفوق الجدار صورة لأحد المساجد القديمة ببخارى، طلاء الجدران لون وسط بين الأصفر والبني، أما المصباح فواهن الضوء

Google News