شكرا يا أمي..
شكرًا يا (جمول) على هذا الحب الذي زرعته أنت وأبي بجسدي وقلبي وشراييني، ولم أجده
لدى أي شخص آخر، ولم أشم رائحته بكل أمكنة الدنيا ومطارحها وناسها.
كبرت به، وتمسكت قدماي بالأرض ورأسي بالسماء، ورائحة التراب المبلول بالمطر لا تفارق ذاكرتي.
لحظة يا أمي، دعيني أكمل حكايتي الثانية.. دائمًا تحدثيني عنها، اتركي لي حرية الكلام هذه المرة.. أحببتك وعشقت المطر لكثرة ما رويت عروقي بالحب، لكني سأعترف لك بسرّ من أسراري التي خبأتها عنك.. لا تخافي، أسرار قلبي كلها معك، منذ أول دقة قلب، وآخر هاتف بيني وبينك، الذي لم أحك لك ولم تحكي لي حكاياتك، ولم تسأليني عن أي شيء، فقط بعد السلام سكتنا وبكينا دون صوت.. صوتك يوجعني، يضعفني، يقويني.. صوتك الترمومتر الذي يحركني من رأسي لأخمص قدمي.
كدت أنسى ما أقول، لا تخافي سأخبرك ببعض جنوني الطفولي..
هل تذكرين حكايتك لجاراتك، أن ابنتك الصغيرة تنزع التراب عن أصص الورود، والورق الأخضر الذي تتعبين كثيرًا بزرعه وسقايته، وتحضرين ترابه من ضفة النهر القريب من بيتنا القديم؟
لا تعرفين بأني ألعق بعضًا من هذا التراب المبلول، وأحس بالنشوة وأنا أمضغ حباته خفية عنك.
ياما هربت من حضنك لآخذ حبة تراب وأشمها وأذوقها، لا تستغربي فنحن منه وإليه نعود.. مرة مددت يدك الحنونة لتمسحي عن فمي حبات التراب، وأنت تصرخين «تراب! من أين؟ ولماذا؟ وكيف؟»..
كنت أسكت، ولا أستطيع أن أجيبك بأي كلمة، وأبحث في عقلي عن جواب، وأيضًا لا أعرف ولا أفهم سر هذا التعلق أو الإدمان على لمس التراب!
كبرت بعض الشيء، وعادة تذوق التراب تأصلت في أصابعي وفمي وعروقي ودمي.
أيقنت بعد فترة بأني منه وتأكدت بالعودة إليه.
الغريب يا أمي، لم أحب طعم تراب آخر غير التراب الذي تحملينه بيدك، تروينه أحيانًا أنت، وأحيانًا أخرى يرويه المطر، مذاقه حلو ورائحته أحلى وملمسه أجمل.
احتفظت بهذا السر طويلاً حتى اشتد عودي، وصرت أقرب إلى الصبية.. ولم تشدني رائحة أخرى غير رائحته، التي اختلطت برائحتك ورائحتي.
تهت ولم أعد أدري أأكون أنا.. أنت.. أم التراب المبلول؟!
التراب جعلني قوية، والمطر كان غذاء روحيًّا.. وأنت يا أنت كنت الدنيا وما فيها.
أضحك عندما أذكر تعليق ناس حارتي عندما أمشي، يقولون مشيتها صارمة، تضرب قدميها بالأرض بقوة، كجندي في طريقه إلى الحرب.
لا يعرفون أنني أستمد قوتي منها، ومن ترابها المبلول، ومن رحمك المليء بالحب.
أمي، هل يوجد لدى الجنين مشيمتان؟

Google News