mena-gmtdmp

عبق الصور وخزينة الذكريات

ثامر شاكر
ثامر شاكر
ثامر شاكر

البارحة سألتني وأطالت النظر إلى عيني: ما قصة الصور؟!
ابتسمت مشاغباً: نرجسية!! ضحِكت. ضحكتُ ورفعت يدي مترافعاً وكأنني متهمٌ خلف القضبان: للصورة ذكرى، والذكريات يا سيدتي أجمل ما فينا وأقبحه.. لكني في الحالتين أعشق التصوير.. ولا أملّه أبداً.. 
أعترف.. أُحِبّ أن ألتقط اللحظة الجميلة وأضعها في جيبي، ألّا أدعها تغرق وسط تفاصيل الأيام.. أُحب أن آخذ كل تفصيلة صغيرة... حتى لا تُمحى بأصابع القدر.. حتى لا تدهسها طاحونة الزمن.. ألّا أُطلق لها العنان فتفرّ من بين يديّ.. وتغيب في الزحام. لذلك كنتُ أخرج عدستي وألتقط الصورة كقناصٍ ماهر.. وأدوّن عليها عبارتي.. ثم أضعها بعيداً، وكأني أتناساها متعمداً، ثم أعود وأفتح خزانة الماضي.. فتهبّ ريح الأمس بخيرها وشرّها. 
في صندوقي الخاص آلاف الصور للأصدقاء والأحبة.. للأماكن التي زرناها سويّاً، التقطتها لهم في أبهى حالاتهم.. ومن دون أن يدروا أحياناً، وحين أصارحهم بمشاغبتي، يبتسم البعض، مطالباً بنصيبه في ثروة الذكريات.. في حين يغضب البعض الآخر، فأهرول معتذراً، راضخاً إلى حنقهِ، ماحياً ما اقترفت يديّ من ذنبٍ، مستغفراً تائباً ألّا أعود.. 
وتمر الأيام وتقتحم حياتنا التقنية، لتصبح ذكرياتنا مسجلة بالدقيقة والثانية، ومع كل إشارة إلكترونية من تلك البرامج التي نحملها في جيوبنا تطل الصورة، مع رسالة قصيرة، وكأنها عصفورة سلام، تهمس في حب وحنين: اليوم ذكرى الحدث فتأمل. نضحك على ملامحنا التي ظهرت فجأة ومكان زرناه سويّاً، أو ربما رثاء على فراق حبيب أو هجران صاحب.. لتخبرك أن في الذاكرة ما يستحق أن يُروى.
وظنّي أنني ورثتُ هذه الهواية عن أبي، ذاك الشاب الذي خرج ذات شتاءٍ مزعجٍ ولم يعد، لنجد في مخبئه كنزاً.. مئات الصور التي أصبحت ثروة، تزداد قيمة كُلّما ابتعد بِنا قطار العمر وسط أنفاق الحياة؛ وكأنه كان يعلم عن موعد رحيله المبكر، فقرر أن يترك لنا إرثاً من المشاهد التي أبقت روحه معنا.. لم يطمرها ركام السنين. بقيت هنا، فأصبحت أراني طفلاً وأسمع صوتي طفلاً.. أرى أخي بجواري يُهرول، وأراني أحمل أختي وألاعبها.. وأمي الجميلة تضحك، فتنير الدنيا بابتسامتها العذبة وضحكتها المُبهرة. 
ثم كبرت ومارست الهواية نفسها عندما أصبحت أباً.. سجلت بكل حرفة كل لحظةٍ.. وها أنا أعيش لوعة الفراق مرة أخرى.. بعد أن أرغمتني الأقدار على بُعد الأبناء في دهاليز الحياة المختلفة.. 
أحتفظ بآلاف الصور في جعبتي.. أحتفظ بصور لأشخاص لم أقابلهم سوى مرة واحدة.. وبقيت قصة لقائنا خالدة.. فأصبحوا جزءاً من الرحلة.. أبتسمُ.. كم كبرت، وكم نضجت.. وكم اشتقت إلى هؤلاء العابرين.. وأقف متسائلاً: كيف كانت الرحلة قصيرة.. وكيف تبخرت الفصول وكأن الأرض لم تدر؟. 
أمّا الدهشة الحقيقية فتكون حين يشاركني أحدهم الهوس نفسه.. تجدنا نقضي الساعات في التقاط الصور، في كل زاوية.. تارةً نبتكر مشهداً، وكأننا نصطاد اللحظة قبل أن تفر إلى وكرها الأخير.. ثم نتأمل نزقنا وجنوننا.. ونضحك.. 
أنا لا أعيشُ في الماضي.. لكني أسجل المشهد وأعيده، ولا أملّ من التكرار.. صورٌ مع نفسي أتذكر بها مراحل وأحداث، منها المُبهج، ومنها ما هو قاسٍ بمذاق مرارة السنين التي انقضت.. لقطات أصررتُ أن تبقى في الذاكرة.. وألا تموت أبداً.. 
لكل صورة قصة ولكل لقطة حكاية.. ولكل نظرة ذكرى. رغم ماراثون الأيام.. رغم دموعنا في لحظة شوقِ وشجن، إلا أنها كما تجاعيد الزمن على ملامحنا، تزيدنا إصراراً وشموخاً وكبرياء. 
نعم، قد يكون في سجلات الذكريات، صفحات عذاب وألم.. لكنها مشقة واشتياق.. لرحلةِ عمر بأكمله. 
في ألبوم الصور.. قصصنا وحكاياتنا.. أوجاعنا وابتهالاتنا.. أو ربما حنينٌ كبير يُبقي أجمل ما فينا حيّاً يُرزق!!