mena-gmtdmp

قبل أن يُسدل الستار.. صانع الضحك يرحل!! 

ثامر شاكر
ثامر شاكر
ثامر شاكر

في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، سقط أحد أشهر الممثلين المسرحيين على خشبة المسرح، ولم ينهض.. فما كان من الجمهور إلا أن صفّق بحرارة شديدة تحيةً له على أدائه البارع !!
لكن الفنان الكبير، لم يتحرك على غير عادته، لم يقف، لم يهمس، ولم يرد للجمهور تحيته.. في حين ظلّ الحضور يُصفق ويهلل ويُصفّر.. إلى أن بدأ الصوت يخفت ليعمّ الهدوء المكان مع تمتمات قلقة وظنون ملأت القلوب من هنا وهناك.. ثم ما لبثت أن تحولت إلى صرخات اعتراض وزمجرة غضب، حتى أن أحدهم قرّر أن يصعد إلى منصة المسرح محاولاً إيقاظ البطل علّه يقضي على الشكوك التي بدأت تخترق الأذهان.. فلربما زوّد العِيار "حبتين" أو أنه ربما سقط مخموراً.. لكن البطل لم يستيقظ رغم محاولات المُتسلل الغاضب الذي حاول أن يكشف السر.. ليصرخ: لقد مات!! ليهتف أحدهم من الزاوية البعيدة: حاول مرة أخرى، ويتدخل طبيب صادف وجوده هناك، بلا فائدة. وتتوالى الاستغاثات.. لكن الرجل الذي بات مصدومًا غير مُصدق، أجاب في نبرة أقرب إلى الهمس: لا فائدة.. لقد مات!!
وما بين الجمهور الذي لم يُصدق، والزوايا التي أصابها الذعر والأسى.. امتلأ المكان بالهرج والمرج.. وغدا الكل في حالة صدمة.. كيف يرحل البطل الهمام هكذا من دون أن يُودعهم، لماذا لم ينتظر حتى يُسدل الستار كي يُعلن رحيله الأبدي؟!! وما بين لومٍ وعِتاب، غرق المكان في صمتٍ مُطبق وكأن لا أحد هنا.
راحوا ينسلّون من أطراف المسرح إلى الخارج.. كسيلٍ هارب من الوديان بفعل فاعل، وأكفهم على أفواههم، أمّا البعض الآخر فأخفى كل منهم يديه في جيبه، علّهم أحسوا بالدفء بعد أن بدأ برد الشتاء القارص يفترس أجسادهم فجأة.. وكأن الضحكات كانت معطفهم ومدفئهم.. بعدما فرّ البرد مهزوماً أمام ضحكات زرعها فارسها بحرفةِ إبهار.
لقد أبكاهم البطل الغائب بعد أن أضحكهم أزماناً.. وكأنه خدعهم بعد أن وثقوا فيه وسلموه أرواحهم المختنقة.. ومنحوه صدورهم التي تحمل أطناناً من الكمد والجزع.
ترك بغيابه ندبة في الصدر، فراغًا كالصدى.. فلا يتقبل أحدٌ أبداً رحيله الصادم!! لقطة حزينة.. لوداعٍ ناقم.. ثقيلٌ كسفر لاجئ هرباً من وطنٍ يغرق، كطعنة سكينٍ غاشمة في قلبٍ أبيض.. كريحٍ سخية، أتت فنثرت الغيم ومضت.
حين يموت "الكُوميديان"، يُهيّأُ للجميع أنه مشهد ساخر آخر، فيجزمون أنه حتماً سيعود بعد قليل، ليُصفّق لهُ الجمهور في لقطةٍ خلّابة باذخة الجمال على إتقانه وإبداعه، وكأنه خُلق كي لا يموت أبداً.. بعد أن أفنى عمرهُ في السُخرية من كل شيء، حتى من الموت ذاته.. فلا يُصدق أحدٌ أبداً نبأ غيابه المفاجئ!! مثل هؤلاء لا يتقنون فنّ الرحيل.. لذا يعيشون في وجداننا دهراً، نراهم في حنايا ضحكاتنا.. وبُكائنا.. صانع البسمة لا يموت.. يبقى حيّاً بكل ضحكة زرعها؛ وكأن قلوبنا تكافئه على ذكرياته معنا.
فن صناعة الضحكة.. عملٌ شاق.. ترميم الروح الآيلة للسقوط.. وإن كانت تسكن في قاع الجحيم.. تشعر بأنها في أعالي الجنان.. فتنسى النيران المشتعلة التي تطوقها من كل صوب، ولا تحاول أن تُطفئها.. فقد أحالت الضحكات النيران برداً وسلاماً وجنة!!
تمحو الضحكات الخيبات.. وكأن زارع الابتسامات يُشيّد في قلوبنا قصوراً من ذهبٍ وياسمين..
رحم الله كل صانع بسمة، فقد عمّر فينا بروجاً من أمل ومحا أطناناً من حزنٍ.. رمم أرواحنا، أطال أعمارنا.. وأعاننا على مصائب الدهر التي تخيفنا حد البكاء.. وأكثر.