الجيلُ الجديدُ من ريادةِ الأعمال، أصبح قراراً استراتيجياً طويلَ المدى، فالمشروعُ الواحدُ بحدِّ ذاته، صار محدودَ التأثيرِ أمامَ عالمٍ، تحكمه الشبكاتُ، والبياناتُ، والتحالفاتُ، لذا علينا توضيحُ الفرقِ بين المشروعِ والمنظومة.
المشروعُ، يعتمدُ على خدمةٍ، أو مُنتَجٍ ما، أمَّا المنظومةُ، فتُقدِّم مشروعاتٍ عدة مترابطةً، تخدمُ رؤيةً طويلةَ الأمد، وتختلفُ قيمتها عن المشروعِ، فهي لا تتمحورُ حول المالِ فقط، بل وتمتدُّ أيضاً إلى النفوذِ، والعلاقاتِ، والمعرفة، إذ إنها لا تُركِّز على: كيف أبيعُ، وإنما على كيف أربطُ، وأضاعفُ القيمةَ، وكيف أتحكَّمُ بنقاطِ التأثير.
ويتَّجه روَّادُ الأعمالِ الناضجون الآن إلى بناءِ منظوماتٍ صعبةِ التقليد، إذ أصبحت الأفكارُ تُنسَخُ خلال أسابيعَ، أو بشكلٍ آخرَ، لا تكون لها قيمةٌ فعلياً إن لم تكن منفَّذةً بشكلٍ يحمي حقوقها وملكيَّتها، لاسيما أن المنظوماتِ، تُعطي القدرةَ الأكبر على تحريكِ السوقِ، وليس فقط على التفاعلِ معه، فبدلاً من أن تُراهن على فكرةٍ واحدةٍ، تسمحُ المنظومةُ لك بتوزيعِ المخاطرِ عبر مشروعاتٍ متعدِّدةٍ، وتعتمدُ على الشراكاتِ بدل العملاء حيث يكون المورِّدُ شريكاً، والعميلُ هو جزءٌ من المجتمعِ، والتعاونُ أصلٌ استراتيجي، وهنا يتحوَّلُ دورُ رائدِ الأعمالِ إلى منسِّقٍ قوي.
لكنْ يجبُ التنويه إلى أن النجاحَ في المنظوماتِ لا يكون بعددِ المشروعاتِ، وإنما بجودةِ النظامِ الذي يُنتجه، وعلى المؤسِّسِ التركيزُ على تحديدِ الاتِّجاهاتِ لا مطاردةِ الفرص، وأن يختارَ معاركَ، وألَّا ينشغلَ بتفاصيلَ لا تعنيه، وأن يبني طاولةً، ويختارَ مَن يجلس حولها، وألَّا يجعل كلَّ شيءٍ يتمحورُ حوله، بل يجبُ أن يكون على نضجٍ مهني، وثقةٍ عاليةٍ، وقدرةٍ على التفويض، وواضحٍ في القيمة.
ويجبُ على رائدِ الأعمالِ إدراك أن مستقبلَ الريادةِ يتحوَّلُ من النجاحِ الفردي إلى القوَّةِ المؤسسيَّةِ حيث إن المرحلةَ المقبلة، ليست للأسرعِ، بل للأذكى في بناءِ أنظمةٍ تعيشُ طويلاً، وتتوسَّعُ بعمقٍ، وتخلقُ إرثاً كبيراً، وهنا يأتي السؤالُ: هل أُنشِئ مشروعاً، أم أبني منظومةً متكرِّرةَ النجاحات؟!





