mena-gmtdmp

هل مات «موسم رأس السنة» سينمائياً؟

سهى الوعل
سهى الوعل
سهى الوعل

طوال عقودٍ، كان «موسمُ رأسِ السنة» يُعدُّ موسماً سينمائياً واضحَ المعالم، وتقومُ عليه منافسةٌ قويَّةٌ بين الأفلامِ الجديدة بدعايةٍ أعلى، ورهانٍ على جمهورٍ، يبحثُ عن الترفيه الجماعي خلال الإجازات.

وكان يُنظَرُ إلى هذا الموسمِ بوصفه موسماً لا يقلُّ أهميَّةً عن عيدَي الفطرِ والأضحى، بل ويقتربُّ منهما في بعضِ الأسواق، لكنَّ المشهدَ تغيَّرَ في السنواتِ الأخيرة، خاصَّةً خلال السنتَين الماضيتَين حيث تحوَّل رأسُ السنةِ من «موسمٍ» حقيقي إلى مجرَّد تاريخٍ عادي في التقويم، تتعاملُ معه دورُ العرضِ بزخمٍ أقل، وعددِ أفلامٍ محدودٍ، وإيراداتٍ لا تعكسُ قيمةَ المناسبة.

هذا التحوُّلُ لا يقتصرُ فقط على رأسِ السنةِ وحده، فهو يأتي أيضاً ضمن تراجعٍ عامٍّ في سخونةِ المنافسةِ السينمائيَّةِ على مدارِ العام، فحتى الموسمان الأقوى تقليدياً، الفطرُ والأضحى، لم يعودا يُحقِّقان الذرواتِ التي اعتادَ عليها الجمهورُ على الرغمِ من بقائهما الأكثر قوَّةً نسبياً! فحين يقلُّ المعروضُ من الأفلام، يصعبُ توقُّعُ طلبٍ مرتفعٍ، أو إقبالٍ واسعٍ.

وأحدُ أسبابِ شعورِ الجمهور بأن رأسَ السنةِ بات موسماً عادياً، هو تقلُّصُ عددِ الأفلامِ الجديدةِ المعروضة خلاله.

في مصر، على سبيلِ المثال، تحدَّثت تقاريرُ محليَّةٌ في ديسمبر 2025 عن عرضِ ثلاثةِ أفلامٍ فقط قبل حلولِ العامِ الجديد ضمن موجةِ رأسِ السنة! بينما أظهرت تغطيةُ مطلعِ يناير 2026، أن المنافسةَ دارت حول عددٍ محدودٍ من العناوين! وهذا المثالُ، يعكسُ ظاهرةً أوسع: عندما ينخفضُ عددُ الأفلامِ الجديدةِ من سبعةٍ، أو ثمانيةٍ، كما كان شائعاً سابقاً، إلى فيلمَين، أو ثلاثةٍ فقط، يفقدُ الموسمُ قدرته على جذبِ شرائحَ متنوِّعةٍ من الجمهور.

لكنَّ المشكلةَ أعمقُ من موسمٍ بعينه، فهي مرتبطةٌ بتراجعٍ عالمي في الإقبالِ على السينما. أرقامُ Gower Street Analytics تُشير إلى أن شبَّاك التذاكرِ العالمي بلغ 33.9 مليار دولارٍ في 2023، ثم تراجع إلى نحو 30 ملياراً في 2024، مقارنةً بـ 42.3 مليار في 2019، قبل الجائحة، وهو رقمٌ، يُستَخدمُ بوصفه مرجعاً لسنواتِ القوَّة. وهذه المعطياتُ تُوضح أن السينما تواجه ضغوطاً عالميَّةً، تُقلِّل من قيمةِ المواسمِ التقليديَّة.

إلى جانبِ ذلك، غيَّرت المنصَّاتُ الرقميَّةُ معادلةَ التوزيعِ والمشاهدة، فبعد أن كانت نافذةً لاحقةً للعرضِ السينمائي، أصبحت في حالاتٍ كثيرةٍ المحطَّةَ الأولى بدافع تقليلِ المخاطرة، وضمانِ العائد.

وهذا التحوُّلُ دفعَ شريحةً واسعةً من الجمهورِ لتفضيلِ المشاهدة المنزليَّة، وجعلَ المنتجين أكثر ميلاً للبيعِ المباشر للمنصَّات.

في النهايةِ، إن تراجعَ رأسِ السنةِ بوصفه موسماً سينمائياً، ليس ظاهرةً عابرةً، بل هو نتيجةُ تحوُّلاتٍ عالميَّةٍ وصناعيَّةٍ وثقافيَّةٍ. مع ذلك، يبقى الحفاظُ على فكرةِ المواسمِ ضرورياً، لأن غيابها يُهدِّد السينما بوصفها طقساً جماعياً لا مجرَّد خيارٍ ترفيهي ثانوي.