أوَّلُ ما تنطقُ به والدتي العزيزةُ عند رؤيتي كلَّ صباحٍ آيةٌ قرآنيَّةٌ، أستفتحُ بها يومي، وتستفتحُ بها لقائي حتى أصبحت هذه الآيةُ الكريمةُ جزءاً مهماً في يومي، لا أستطيعُ البدءَ من غير سماعها.
هي لم تكن مجرَّد كلماتٍ، تتردَّدُ على مسامعي، بل كانت نوراً، يسبقُ خطواتي، وبركةً، ترافقُ بداياتي، ورسالةً خفيَّةً، تقولُ لي كلَّ يومٍ: إن النورَ يبدأ من الداخل. ثم ينعكسُ على كلِّ ما نصنعه في هذه الحياة، ففي كلِّ رحلةِ نجاحٍ هناك بدايةٌ صامتةٌ لا يراها الكثيرون: بدايةٌ تُبنى في البيوتِ، في حضنِ أمٍّ تُؤمن بأبنائها قبل أن يُؤمنَ العالمُ بهم.
الأمُّ ليست فقط مَن تمنحُ الحياةَ، بل هي أيضاً أوَّلُ مَن يُؤسِّس للفكرة، ويزرعُ في النفسِ البذرةَ الأولى للثقةِ والطموح. وحين نتحدَّثُ اليوم عن ريادةِ الأعمالِ، وعن تأسيسِ المشروعاتِ، وعن الجرأةِ في الحلمِ وبناءِ المستقبل، نحن في الحقيقةِ نتحدَّثُ عن قيمٍ تعلَّمناها مبكرًا: قيمُ الصبرِ، والإصرارِ، والالتزامِ، والإيمانِ بأن الإنسانَ قادرٌ على أن يصنعَ طريقه مهما كانت التحدِّيات.
هذه القيمُ، بالنسبةِ لي، لم أتعلَّمها في قاعاتِ الاجتماعاتِ، ولا في الكتبِ، بل تعلَّمتها أولاً من والدتي. كانت والدتي دائماً ترى فيَّ ما قد لا أراه في نفسي بعد! كانت تُؤمن بأن الطريقَ لا يُقاس بسهولةِ خطواته، بل بصدقِ النيَّةِ التي نسيرُ بها. كانت تدعمني بصمتٍ أحياناً، وبكلماتٍ مُشجِّعةً أحياناً أخرى، لكنَّها في كلِّ مرَّةٍ كانت تمنحني شيئاً لا يُقدَّر بثمنٍ: الثقةُ مصحوبةً بكلماتٍ عاميَّةٍ "ارقي سنود" أي تقدَّمي، ولكِ كلُّ الدعمِ، تقدَّمي، ونحن وراءَكِ. كانت تمنحني الثقةَ بأنني أستطيعُ أن أحلم، وأن أبدأ، وأن أؤسِّس، وأن أخوضَ التجاربَ بشجاعةٍ.
هذا هو جوهرُ الريادةِ الحقيقي بأن يكون لديك الإيمان الكافي لتبدأ حتى قبل أن ترى النتائج. لقد أدركتُ مع مرور السنواتِ أن الأمَّهاتِ هنَّ أوَّلُ رائداتٍ في حياةِ أبنائهن، فهنَّ مَن يُؤسِّس القيم، ويضعُ الأساسَ الذي يُبنى عليه المستقبل. الأمُّ تزرعُ، وتغرسُ، وتُربّي، ثم تترك أبناءَها ينطلقون إلى العالمِ وهم يحملون في داخلهم ذلك الأساسَ المتينَ الذي صنعته بحبٍّ، لذا فإن كلَّ خطوةٍ أخطوها في مسيرتي المهنيَّة، وكلَّ مشروعٍ أعملُ على تأسيسه، وكلَّ فكرةٍ أحاولُ أن أحوِّلها إلى واقعٍ، أرى خلفها أثرَ تلك التربيةِ، وذلك الإيمان الذي غرستُه والدتي في داخلي منذ الصغر.
في يومِ الأمِّ، لا يكفي أن نقولَ شكراً.
فبعضُ الأدوارِ في الحياةِ أكبرُ من الكلماتِ، وأعمقُ من العباراتِ. هذه المقالةُ ليست مجرَّد كلماتٍ عن الأمومة، بل هي أيضاً رسالةُ امتنانٍ ووفاءٍ لامرأةٍ كانت وما زالت النورَ الذي يُضيء بداياتي.
إلى والدتي حصة…
التي بدأت يومي بالنورِ قبل أن أتعلَّم أنا كيف أبحثُ عنه.
التي آمنت بخطواتي قبل أن أتعلَّم أنا كيف أثقُ بها.
كلّ عامٍ وأنتِ مصدرُ النورِ في حياتي.
وكلّ عامٍ وكلُّ أمٍّ هي حجرُ الأساسِ في النجاحِ الذي يكتبُه أبناؤها في هذا العالم.
بقلم ابنتك:
ألطاف هندي
