mena-gmtdmp

يوم التأسيس.. فلسفة بناء لا تقبل الهشاشة

ألطاف هندي
ألطاف هندي
ألطاف هندي

يومُ التأسيسِ، ليس مجرَّد احتفالٍ، أو استذكارٍ، إنه لحظةُ وعي، وإدراكٍ، لحظةٌ نتعلَّمُ منها أن الإنجازاتِ العظيمةَ، لا تبدأ بالصدفةِ، وإنما بفكرةٍ، وأن أكبر الكياناتِ، لا تنطلقُ بإمكاناتٍ ضخمةٍ، بل برؤيةٍ واضحةٍ.

حين أسَّس الإمامُ محمد بن سعود الدولةَ السعوديَّةَ الأولى عامَ 1727م، لم يكن يملك اقتصاداً متنوِّعاً، ولا بنيةً تحتيَّةً متطوِّرةً، لكنَّه امتلك ما هو أهمُّ: فكرةٌ، وإيمانٌ بها، وقدرةٌ على البناءِ التدريجي، وهذا تحديداً ما تحتاجُ إليه ريادةُ الأعمال.

يومُ التأسيسِ، يُذكِّرنا بأن الاستدامةَ تسبقُ السرعةَ، وأن الدولةَ التي صمدت ثلاثةَ قرونٍ، لم تُبنَ على قراراتٍ متسرِّعةً، بل على منظومةِ قيمٍ، وتنظيمٍ، وتحالفاتٍ ذكيَّةٍ.

وفي عالمِ الشركاتِ الناشئة، ننجذبُ أحياناً إلى مصطلحاتٍ مثل "التوسُّعِ السريع"، و"الجولاتِ الاستثماريَّة"، لكنْ الحقيقةُ، أن المشروعَ الذي لا يُبنى على رؤيةٍ واضحةٍ، وهويَّةٍ قويَّةٍ لا يعيشُ طويلاً. ومن أبرز ما تميَّزت به المملكةُ حفاظُها على هويَّتها عبر كلِّ هذه التحوُّلاتِ، وإعادةُ صياغةِ العلاقةِ بين الابتكارِ، والتراثِ، أو الأصالةِ، إن صحَّ التعبير، في رؤيةٍ ثاقبةٍ وواضحةٍ، ثم إن رؤيةَ 2030 تُعطينا درساً مهماً في ريادةِ الأعمال، وهو أن الهويَّةَ، ليست عائقاً أمامَ العالميَّة، بل هي جسرُ عبورٍ لها، فالمشروعاتُ التي تنطلقُ من فهمٍ عميقٍ لثقافتها، واحتياجاتِ مجتمعها الأقدرُ على المنافسةِ عالمياً.

إن الأصالةَ ليست عكسَ الحداثة، بل أساسها، ويومُ التأسيسِ، ليس ذكرى سياسيَّةً فقط، بل هو أيضاً درسٌ في الاستراتيجيَّةِ بعيدةِ المدى. التأسيسُ يعني أن تُفكِّر فيما بعدك، وأن تبني منظومةً، لا تعتمدُ على شخصٍ واحدٍ، بل على نظامٍ قادرٍ على الاستمرار، وهذا ما تحتاج إليه ريادةُ الأعمالِ في منطقتنا اليوم بالانتقالِ من "مشروعٍ مؤسَّسٍ" إلى "مؤسَّسةٍ مستدامةٍ".

في عالمِ ريادةِ الأعمالِ اليوم، يبدأ الكثيرون بدافعِ الحماس، لكنْ القليلون يبنون بدافعِ الرؤية! والحماسُ يُطلِقُ المشروع، لكنَّ الرؤيةَ تحميه، وكذلك المشروعُ الناجحُ لا يُدار بردَّاتِ الفعل، بل بخطَّةٍ واضحةٍ، وقيمٍ ثابتةٍ، وهويَّةٍ لا تتغيَّرُ مع كلِّ موجةٍ.

التأسيسُ، يتطلَّبُ شجاعةً، والشجاعةُ أن تبدأ من الصفر، وأن تتحمَّلَ المخاطر، وأن ترى ما لا يراه الآخرون، لكنْ الأهمُّ من الجرأة، هو الصبرُ الاستراتيجي. المشروعاتُ التي تبحثُ عن نتائجَ سريعةٍ غالباً ما تحترقُ سريعاً، أمَّا المشروعاتُ التي تُبنى بعقليَّةِ "ثلاثة قرونٍ"، فهي التي تترك أثراً حقيقياً. وبوصفي رائدةَ أعمالٍ في المنطقة، أؤمنُ بأن المرحلةَ المقبلةَ لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من المشروعاتِ الصغيرةِ المتشابهة، بل تحتاجُ إلى شركاتٍ تُفكِّر بمنطقِ المنظومات:

• كيف نخلقُ قيمةً طويلةَ المدى؟

• كيف نُحوِّلُ الفكرةَ إلى قطاعٍ؟

• كيف نبني أثراً؟

يومُ التأسيسِ، ليس حدثاً تاريخياً فحسب، بل هو أيضاً عقليَّةٌ.

عقليَّةٌ تقولُ: إن الاستمراريَّةَ أهمُّ من الضجيج، وأن الهويَّةَ أصلٌ استثماري، وأن القيادةَ تعني اتِّخاذَ قراراتٍ صعبةٍ اليوم لحمايةِ الغد. والسؤالُ الذي يجبُ أن نطرحه على أنفسنا:

هل نبني مشروعاتٍ.. أم نُؤسِّس إرثاً؟