mena-gmtdmp

من الحكاية إلى الأسطورة..لأن النهايات الحزينة لا تُنسى

جون إف كينيدي الابن وزوجته كارولين بيسيت  John F. Kennedy Jr. and Carolyn Bessette في بوسطن مايو 1999 (مصدر الصورة :Photo by Justin Ide)
جون إف كينيدي الابن وزوجته كارولين بيسيت John F. Kennedy Jr. and Carolyn Bessette في بوسطن مايو 1999 (مصدر الصورة :Photo by Justin Ide)

في مكانٍ ما بين الحقيقةِ الساطعة، والخيالِ الشعبي، تعيشُ قصصُ الحبِّ التراجيديَّةُ عمراً أطولَ بكثيرٍ من أعمارِ أصحابها. هذه الحكاياتُ لا تموت، بل تُبعَث من جديدٍ، لتبدأ حياةً أخرى، حياة تُروى، وتُعاد صياغتها، وتتحوَّلُ فيها التفاصيلُ الشخصيَّةُ شديدةُ الخصوصيَّةِ إلى ذاكرةٍ جماعيَّةٍ، يتشاركها الملايين. وربما يعودُ ذلك إلى أن الحبَّ في جوهره المطلق أكثرُ التجاربِ الإنسانيَّةِ هشاشةً، وأكثرها قدرةً على الانكسارِ تحت وطأةِ الحياة، خاصَّةً عندما يقترنُ هذا الحبُّ بالشهرةِ الطاغية، إذ يُصبح المشهدُ حينها أشبه بعرضٍ مسرحي مفتوحٍ أمامَ العالمِ بأسره حيث تتحوَّلُ اللحظاتُ الإنسانيَّةُ إلى مشاهدَ عامَّةٍ، يستهلكها الإعلام، وتُكتَب نهاياتُها المفجعةُ على مرأى من الجميع، ما يجعلُ هذه القصصَ خالدةً، وعصيَّةً على النسيان، ليس فقط في نهاياتِها المأساويَّةِ الصادمة، بل وأيضاً في قدرتِها الفائقةِ على لمسِ شيءٍ عميقٍ ومظلمٍ داخلنا. إنها تُلامس خوفنا الدفينَ من الفقدان، ورغبتَنا المستحيلةَ في الحبِّ الكامل، وإدراكنا المؤلمَ أن بعض القصصِ مهما بدت مثاليَّةً، ومحاطةً بالبريق قد لا تُمنح أبداً فرصةَ الوصولِ إلى خطِّ النهايةِ الطبيعي، لذا لا تُقرأ هذه الحكاياتُ في صفحاتِ المجلَّاتِ بوصفها أخباراً عابرةً، تتغيَّرُ مع الصباح، وإنما تُقرَأ بوصفها مرآةً عاكسةً للإنسانِ نفسه، ولعجزه أمامَ الأقدار.

من «روميو وجولييت» إلى هوليوود.. لماذا تتكرر الحكاية نفسها؟

حين صاغَ ويليام شكسبير مأساةَ «روميو وجولييت»، وحين كُتِبَت أساطيرُ «أنطونيو وكليوباترا»، أو «مجنون ليلى»، لم تكن الإنسانيَّةُ تُؤسِّس فقط قصصَ حبٍّ عابرةً، بل كانت تضعُ القالبَ السردي الأبدي الذي سيُعاد إنتاجه عبر القرون: حبٌّ عظيمٌ، يعترضه عائقٌ مستحيلٌ، وينتهي بموتٍ يُخلِّد العاطفة. وفي الأدبِ الكلاسيكي، كان العائقُ، هو صراعُ العائلات، أو الحروبُ، أو الفوارقُ الطبقيَّة، أمَّا في العصرِ الحديث فقد استُبدِلَت سيوفُ عائلتَي «مونتيجيو» و«كابوليت» بعدساتِ مصوِّري الباباراتزي، واستُعيض عن ساحاتِ المعاركِ بمواقعِ التواصلِ الاجتماعي.

كارولين بيسيت كينيدي وجون إف كينيدي الابن.. الحلم الذي ابتلعه المحيط


حين التقت كارولين بيسيت Carolyn Bessette Kennedy جون إف كينيدي الابن John F. Kennedy Jr. منتصفَ التسعينيَّات، بدا الأمرُ وكأنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة تُعيد كتابةَ أسطورتها الخاصَّة. زواجهما السري في جزيرةِ كمبرلاند عامَ 1996 كان حدثاً إعلامياً ضخماً على الرغمِ من كلِّ محاولاتِ إخفائه، لكنَّه في الوقتِ نفسه فتحَ بابَ الجحيمِ على كارولين. وفي 16 يوليو 1999، تحطَّمت الطائرةُ التي كانت تقلُّ الثنائي مع شقيقةِ كارولين في مياه المحيطِ الأطلسي المظلمة، وتوقَّفت القِصَّةُ فجأةً عند ذروةِ شبابهما. وبعد رحيلهما، لم تختفِ القِصَّةُ، كما كان يظنُّ الكثيرون، بل بدأت مرحلةُ «الخلود الثقافي» حيث تحوَّلت علاقتهما إلى مرجعٍ دائمٍ في الثقافةِ الشعبيَّةِ عن «الحبِّ المثالي الذي اغتاله القدر». كذلك صدرت عشراتُ الكتبِ التحليليَّة مثل The Day John Died، وThe Kennedy Heirs، واستمرَّت طباعةُ صورهما على أغلفةِ مجلَّاتِ الموضةِ والأخبار بوصفهما من أيقوناتِ التسعينيَّات.

 

كتاب The Kennedy Heirs، تأليف J. Randy Taraborrelli، دار النشر St. Martin's Press.

 


الأميرة ديانا ودودي الفايد.. حب تحت مقصلة العدسات

 

الممثلة إليزابيث ديبيكي Elizabeth Debicki في دور الأميرة ديانا، على بوستر مسلسل The Crown، إنتاج منصة Netflix.

 


لم تكن علاقةُ أميرة ويلز ديانا Princess Diana برجلِ الأعمالِ المصري دودي الفايد مجرَّد قِصَّةٍ عاطفيَّةٍ عابرةٍ، بل شكَّلت زلزالاً عالمياً، كان يُتابَع لحظةً بلحظةٍ، لكن هذه المتابعةُ لم تكن بريئةً، بل كانت مطاردةً وحشيةً، وحصاراً مستمراً.

وفي ليلةِ 31 أغسطس 1997، وبعد عشاءٍ رومانسي في باريس، حاول الثنائي الهروبَ من حشودِ المصوِّرين المتجمهرين، وتالياً من مطاردتهم لهما، لينتهي الأمرُ بحادثِ نفقِ ألما المروِّع الذي أودى بحياتهما معاً.
وتحوَّلت ديانا بعد وفاتها إلى أيقونةٍ للرومانسيَّة، وأصبحت «أميرةً للقلوب»، كما أن هذه العلاقةَ القصيرة التي ربما كانت ستستمرُّ، أو تنتهي بهدوءٍ، خُلِّدت إلى الأبدِ بسبب الدماءِ التي أُريقت في نهايتها.

كذلك شكَّلت الجنازةُ حدثاً تاريخياً غير مسبوقٍ، إذ شاهدها المليارات، وتغطَّت شوارعُ لندن خلالها ببحرٍ من الزهور. وقد أُعيد إحياءُ القِصَّةِ مراراً، فمسلسلُ The Crown خصَّص ميزانيَّاتٍ ضخمةً، وحلقاتِ دراميَّةً مكثَّفةً لتشريحِ هذا الصيفِ الأخير، بينما لا تزال الأفلامُ الوثائقيَّة، والكتبُ مثل The Diana Chronicles تُطبع، وتُناقش حتى اليوم.

لقد أصبحت القِصَّةُ أسطورةً حديثةً، تُجسِّد أقصى درجاتِ التراجيديا: المرأةُ التي أحبَّها العالمُ بأسره، ماتت وهي تُحاول الهروبَ من هذا الحبِّ الخانق، لتدفعَ حياتها وحياةَ مَن معها ثمناً لكونها أشهرَ امرأةٍ على وجه الأرض.

 

 


مارلين مونرو وجون إف كينيدي.. الغموض الذي صنع الأسطورة

ماريلين مونرو Marilyn Monroe قبل أسابيع قليلة من وفاتها، في أغسطس 1962 (المصدر: AFP).

 


على الرغمِ من أن اللقاءاتِ الموثَّقةَ بين أيقونةِ هوليوود مارلين مونرو Marilyn Monroe، وجون إف كينيدي John F. Kennedy، رئيس الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، كانت قليلةً، ومحاطةً بسريَّةٍ تامةٍ إلا أن الشرارةَ التي التقطها الرأي العام كانت كافيةً لتأجيجِ خيالِ أجيالٍ كاملةٍ.

وقد بلغت القِصَّةُ ذروتها البصريَّةَ والثقافيَّةَ في مايو 1962 عندما وقفت مونرو على مسرحِ «ماديسون سكوير جاردن»، لتُغني Happy Birthday, Mr. President. كانت تلك اللحظةُ بمنزلةِ اعترافٍ علني غير مباشرٍ بعلاقةٍ تتجاوزُ حدودَ الرسميَّات، وتحدِّياً صارخاً للبروتوكول، ولجاكلين كينيدي، زوجة الرئيس، لكنْ خلفَ هذا البريقِ كانت مارلين تُعاني من انهياراتٍ نفسيَّةٍ متتاليةٍ.

وفي 5 أغسطس 1962، وُجِدَت مونرو ميتةً في سريرها بمنزلها في كاليفورنيا، ويومها أعلنَ الطبُّ الشرعي أن الوفاةَ ناتجةٌ عن «انتحارٍ محتملٍ». وبعد عامٍ واحدٍ فقط اغتيل جون كينيدي في دالاس، لتكتملَ المأساةُ المزدوجة. هذه النهايةُ السوداويَّةُ لكليهما حوَّلت العلاقةَ إلى واحدةٍ من أعظمِ الأساطير التراجيديَّة، إذ كُتِبَت مئاتُ الكتبِ عنها مثل Goddess: The Secret Lives of Marilyn Monroe، وصُنِعَت أفلامٌ لا حصرَ لها، آخرها فيلمُ Blonde، لتُحوِّل قِصَّتهما إلى كلاسيكيَّةٍ خالدةٍ، لا تزالُ أسرارها مدفونةً حتى اليوم.

إليك أفلام جسدت حياة مارلين مونرو.. كيف تحولت أيقونة هوليوود إلى مصدر إلهام لا ينضب للسينما؟

 

كتاب Goddess The Secret Lives of Marilyn Monroe، من تأليف Anthony Summers، دار النشر The Orion Publishing Group.

 


ويتني هيوستن وبوبي براون.. حين يتحول الشغف إلى دمار

ويتني هيوستون Whitney Houston وبوبي براون Bobbi Brown في عام 1995 (المصدر Vince Bucci / AFP).

 


حين التقت ويتني هيوستن Whitney Houston، صاحبةُ الصوتِ الملائكي والأميرةُ المدلَّلةُ لموسيقى البوب، بوبي براون Bobby Brown، مغني الآر أند بي المتمرِّد، عامَ 1989، وتزوَّجا في 1992، بدا الأمرُ للوهلةِ الأولى وكأنَّه اتِّحادٌ فنِّي مذهلٌ، لكنْ خلفَ الأبوابِ المغلقة تحوَّلَ الحبُّ الشغوفُ إلى دوَّامةٍ من الأزمات، كشف عنها برنامجُ تلفزيون الواقع Being Bobby Brown عامَ 2005 حيث أزاح الستارَ بالكاملِ عن حياةِ الثنائي.
وعلى الرغمِ من انفصالهما الفعلي، وطلاقهما عامَ 2007 إلا أن الضررَ النفسي والجسدي الذي لحق بهيوستن كان لا يمكن إصلاحه.

وكُتِبَت الخاتمةُ التراجيديَّةُ في 11 فبراير 2012 حين عُثِرَ على ويتني هيوستن مفارقةً للحياة غرقاً بحوضِ استحمامِ غرفتها في فندقِ بيفرلي هيلتون.

وتالياً، تحوَّلت علاقةُ ويتني وبوبي إلى أيقونةٍ كلاسيكيَّةٍ، ترمزُ إلى: كيف يمكن للحبِّ حين يمتزجُ بالضعفِ النفسي أن يُدمِّر أعظمَ المواهبِ في التاريخ. وقد أُنتِجَت أفلامٌ وثائقيَّةٌ قاسيةٌ عن العلاقةِ مثل Whitney، وأفلامٌ سينمائيَّةٌ، منها I Wanna Dance with Somebody لتخليدِ مسيرتها.

تابعي ويتني هيوستن .. رحلة نجاح بالسينما وعالم الغناء ونجومية كبرى بفيلم The Bodyguard

الفيلم الموسيقي Whitney Houston: I Wanna Dance with Somebody، إخراج Kasi Lemmons، عام 2022.

 


شارون تيت ورومان بولانسكي.. البراءة المذبوحة في تلال هوليوود

شارون تيت Sharon Tate ورومان بولانسكي Roman Polanski يوم زفافهما في لندن، عام 1968 (المصدر: Central Press / AFP).

 


في أواخرِ الستينيَّات، لم يكن هناك ثنائي يُجسِّد روحَ هوليوود الجديدةَ المتوهِّجة أكثر من المخرجِ البولندي العبقري رومان بولانسكي Roman Polanski، والممثِّلةِ الأمريكيَّةِ الفاتنة شارون تيت Sharon Tate.
وحقاً، تزوَّج رومان وشارون عامَ 1968، وكانا يعيشان بمنزلٍ جميلٍ ومستقلٍّ في لوس أنجلوس، وينتظران طفلهما الأوَّل. كانت حياتهما لوحةً مثاليَّةً، تُجسِّد الحبَّ، والنجاحَ، وروحَ السلامِ التي ميَّزت حقبةَ الستينيَّات، لكنْ، وفي ليلةِ 9 أغسطس 1969، وأثناءَ غيابِ بولانسكي في أوروبا لتصويرِ فيلمٍ، اقتحمَ أفرادٌ من طائفةِ «عائلة مانسون» المتطرِّفة المنزل، وقتلت شارون التي كانت حاملاً في شهرها الثامن بطعناتٍ وحشيَّةٍ متعمَّدةٍ مع أربعةٍ من أصدقائها.

ما حدثَ لم يكن مجرَّد جريمةِ قتلٍ. لقد كان مجزرةً، صدمت المجتمعَ الأمريكي، وحطَّمت وهمَ الأمانِ في هوليوود، كما أعلنت النهايةَ الرسميَّةَ والفعليَّةَ لعصرِ «الحبِّ والسلام».

وفي أمريكا، لم تتوقَّف الأسطورةُ عند حدودِ تقاريرِ الشرطة، إذ أصبح كتابُ Helter Skelter، الذي وثَّقَ الجريمة، من أكثر الكتبِ مبيعاً في التاريخ. كذلك، وبعد نصفِ قرنٍ، أعادَ المخرج كوينتن تارانتينو صياغةَ التاريخِ في فيلمه Once Upon a Time in Hollywood مانحاً شارون تيت، التي جسَّدت دورها النجمةُ مارجوت روبي، الحياةَ الطويلةَ التي سُرِقَت منها في الواقع، فتحوَّلت قِصَّتها مع بولانسكي إلى قِصَّةٍ كلاسيكيَّةٍ.


إيمي واينهاوس وبليك فيلدر سيفيل.. الحب حين يتحول إلى سمّ

 

ألبوم Back to Black لآيمي وانهاوس Amy Winehouse: 16 مليون نسخةٍ بيعت عالمياً.

 


في العقدِ الأوَّلِ من الألفيَّةِ الجديدة لم يشهد عالمُ الموسيقى علاقةً شديدةَ التعقيدِ والتدمير الذاتي مثل العلاقةِ التي جمعت الفنَّانةَ البريطانيَّة إيمي واينهاوس Amy Winehouse ببليك فيلدر سيفيل Blake Fielder-Civil. مع ذلك، كانت العلاقةُ بينهما الوقودَ الحرفي لواحدٍ من أعظمِ الألبوماتِ الموسيقيَّة Back to Black، وهو الألبومُ الذي كتبته إيمي خلال فترةِ انفصالٍ مؤقَّتٍ عن بليك.

العملُ كان عبارةً عن اعترافاتٍ داميةٍ، وصرخةِ ألمٍ حقيقيَّةٍ ضد الفقدانِ، والخيانةِ، والانهيارِ العاطفي. وقد شكَّل زواجهما عامَ 2007 بدايةَ النهاية، وبعد طلاقهما، استمرَّت إيمي في صراعاتها النفسيَّة، ومع البوليميا، وبقيت كذلك حتى 23 يوليو 2011 حيث عُثِرَ عليها ميتةً في منزلها نتيجةَ تسمُّمٍ حاد، لتتحوَّلَ قِصَّتها فوراً إلى أسطورةٍ سوداويَّةٍ.

وقد كشف الفيلمُ الوثائقي «Amy 2015»، الذي نال جائزةَ الأوسكار، الوجه الحقيقي والمؤلمَ لهذه العلاقة، وتبعه فيلمُ السيرةِ الذاتيَّة Back to Black.

واليوم، يُعدُّ إيمي وبليك النموذجَ المعاصرَ للكلاسيكيَّة التراجيديَّة: قِصَّةٌ تُثبت أن بعض الحبِّ لا يبني، بل يحرق، وأن الفنَّ العظيمَ غالباً ما يُستخرَج من أعمقِ جراحِ الروح.

إليك إيمي واينهاوس في ذكرى رحيلها السابعة... لنعود في الزمن قليلاً


التحليل النفسي.. لماذا نعشق النهايات الحزينة؟

 

بوستر فيلم Once Upon a Time... in Hollywood، إخراج Quentin Tarantino، عام 2019: أكثر من 377 مليون دولارٍ في شبَّاك التذاكر.

الدراسات النقدية والإجتماعية أكَّدت أن تعلُّقَ الجمهورِ بقصصِ الحبِّ المأساويَّةِ ليس مجرَّد فضولٍ مرضي، وإنما ظاهرةٌ نفسيَّةٌ، ترتكزُ على مبدأين أساسيين، الأوَّلُ «التحيُّزُ السلبي» Negativity Bias، فالدماغ البشري مبرمجٌ تطورياً على الانتباه، والتركيزِ، والاحتفاظِ بالأحداثِ المؤلمةِ والصادمة أكثر بكثيرٍ من الأحداثِ السعيدةِ والآمنة، فالقِصَّةُ السعيدةُ تُرضينا لحظياً، ثم تتبخَّر، أمَّا القِصَّةُ المأساويَّة، فتستنفرُ مشاعرنا، وتدفعنا للتفكير، وتُحفَر عميقاً في الذاكرة. يُضيف: «الثاني هو مفهومُ العلاقاتِ شبه الاجتماعيَّة Parasocial Interactions. نحن نعيشُ في وهمِ أننا نعرفُ هؤلاء المشاهير، ونستمعُ لأغنياتهم في لحظاتِ ضعفنا، ونُعلِّق صورَهم في غرفنا، لذا عندما يقعون في الحبِّ، نختبرُ معهم النشوةَ العاطفيَّة بالوكالة، وحين تنتهي قصصهم بالموتِ، أو الفقدانِ الكارثي، نشعرُ بصدمةٍ شخصيَّةٍ، واختراقٍ لدوائرِ أماننا، ثم إن النهاياتِ المفتوحةَ والمأساويَّةَ تُجبِر الجمهورَ على لعب دورِ المؤلِّف المشارك. نحن نُكمل القِصَّةَ في خيالنا المليء بكلماتِ ماذا لو؟ وهو ما يُحوِّل مجرَّد خبرٍ صحفي إلى أسطورةٍ إنسانيَّةٍ، تتناقلها الأجيالُ لتفسيرِ هشاشةِ الحبِّ، والخوفِ من الفقدان، وعجزنا التام أمامَ الأقدار».

وقد خضعت ظاهرةُ الهوسِ بقصصِ الحبِّ المأساويَّةِ للمشاهير لكثيرٍ من التحليلِ عبر دراساتٍ متخصِّصةٍ في مجالاتِ الفلسفةِ، وعلمِ النفس، والإعلام، واللافتُ تأكيدُ أغلبهم أن هوسنا بمآسي المشاهير يكشفُ أن قلبَ الإنسانِ لا يُفرِّق بين الألمِ الشخصي، وألمِ مَن لا يعرفه، وأن عواطفنا تتشابك مع قصصهم كما لو كانت قصصنا نحن، وهو ما توصَّل إليه الباحثان ديفيد جيلز وجايل ستيفير في دراستهما Parasocial Experiences (2024): «الدماغُ البشري لم يتطوَّر ليُميِّز بين الصديقِ الذي يراه وجهاً لوجه، وبين الشخصيَّةِ التي يراها يومياً عبر الشاشة».

في حين تُشير القراءةُ النقديَّةُ للكاتبةِ فليبا سنو في كتابها It’s Terrible the Things I Have to Do to Be Me إلى أن «مآسي المشاهيرِ تجعلهم بشراً في أعيننا بعد أن كانوا أيقوناتٍ». وهذا التحوُّلُ من القداسةِ إلى الهشاشة يخلقُ حالةَ الهوسِ لمراقبةِ لحظةِ الانهيار، وكأنَّ الجمهورَ يجدُ في تصدُّعِ النجمِ تعزيةً لانكساراته الشخصيَّة.

وتُعدُّ هذه الظاهرةُ امتداداً لغريزةٍ بشريةٍ قديمةٍ كما يذكرُ المؤرِّخ جريج جينر في كتابه Dead Famous: «الجمهورُ يبحثُ دائماً عن ضحيَّةٍ تراجيديَّةٍ. لقد صفَّق الكثيرون قديماً في المسارحِ الرومانيَّةِ للموت، وهم اليوم يفعلون الأمرَ نفسه عبر الترند»! إذاً، الفرقُ الوحيد، هو الوسيلةُ، بينما الرغبةُ في رؤيةِ النهايةِ الكبرى ما زالت جزءاً من فضولنا الإنساني العميق.

أمَّا الإعلامُ الجديد، فقد صنعَ منصَّاتٍ تُضخِّم هذه المشاعر حيث تُوضح الباحثةُ نهى عاطف في دراستها «الإعلام الاجتماعي وصناعة النجوميَّة» كيف أن «الخوارزميَّات تُعيد إنتاجَ الألمِ الشخصي للمشاهير بوصفها قصصاً دراميَّةً متسلسلةً، تُجبِر المتابعَ على الانخراطِ العاطفي المستمر». في حين يُشير الدكتور شاكر عبدالحميد في كتابه «عصر الصورة» إلى أن مآسي النجومِ تُوفِّر نوعاً من «التطهير النفسي Catharsis»، إذ يُفرِّغ الجمهورُ شحناته العاطفيَّةِ في قصصٍ بعيدةٍ عنهم، لكنَّها تمنحُ شعوراً بالمشاركةِ في أحداثٍ كبرى.

هكذا، تتحوَّلُ كلُّ مأساةٍ إلى مرآةٍ مزدوجةٍ، نرى فيها ألمَ الآخرين، ونرى أنفسنا، ونرى الحدَّ الفاصلَ ما بين التعاطفِ، والاستهلاكِ، ثم إن الأضواءَ التي تصنعُ النجوم، هي نفسها التي تحرقهم، ونحن، أي الجمهور، نظلُّ نُراقب من مقاعدنا المريحة، وننتظرُ المأساةَ المقبلة، لنُعيدَ تدويرَ الحزنِ في قوالبَ رقميَّةٍ جديدةٍ، ونعيش لحظةَ الانكسارِ وكأنَّها لحظةٌ خاصَّةٌ بنا.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط