غيب الموت عن عالمنا النجمة العالمية آن بليث، إحدى آخر لآلئ العصر الذهبي لهوليوود، والتي غادرت دنيانا يوم الأربعاء عن عمر يناهز 98 عاماً لأسباب طبيعية، وفقاً لما أكدته التقارير الإعلامية ونقله الصحفي جورج بيناشيو من شبكة "كي إيه بي سي" (KABC). وتأتي وفاة بليث لتطوي صفحة مضيئة من تاريخ السينما الكلاسيكية؛ وهي النجمة التي أصبحت واحدة من أكثر الوجوه رسوخاً في ذاكرة هوليوود الكلاسيكية بفضل أدائها الأيقوني لشخصية الابنة المتمردة في الفيلم الدرامي الشهير "ميلدريد بيرس" عام 1945، وهو الدور الذي ترشحت عنه لجائزة الأوسكار ونالت به شهرة عالمية واسعة. وبخلاف أدوار الشر والدراما الحزينة، تميزت الراحلة بمرونة فنية نادرة، حيث تألقت كأوبرالية بارعة في الأفلام الاستعراضية والموسيقية، وحتى الكوميديا الخفيفة، مخلّفة وراءها إرثاً سينمائياً وتلفزيونياً ومسرحياً يمتد لعقود.
"ميلدريد بيرس".. وترشيح للأوسكار صعد بها إلى القمة
ولدت النجمة الراحلة باسم آن ماري بليث (Ann Marie Blyth) في 16 أغسطس 1928 بمنطقة ماونت كيسكو في نيويورك. ورغم مسيرتها الحافلة التي قدمت خلالها أكثر من 30 فيلماً في الفترة من 1944 إلى 1957، إلا أن الدور الذي خلد اسمها في تاريخ السينما جاء وهي في سن السادسة عشرة فقط؛ عندما قدمت أداءً مذهلاً في فيلم "ميلدريد بيرس" (Mildred Pierce).
جسدت بليث في الفيلم شخصية "فيدا"، الابنة الأنانية والانتهازية والمحبّة للمظاهر والمال، والتي تصل بها القسوة إلى حد منافسة والدتها المضحية والمكافحة "ميلدريد" —التي لعبت دورها أسطورة السينما جوان كروفورد (Joan Crawford)— على حب نفس الرجل، وهو زوج والدتها الذي جسد شخصيته الممثل زاكاري سكوت (Zachary Scott).
وفي أحد أشهر مشاهد الفيلم والمشهد المحوري فيه، تقوم بليث بصفع كروفورد على وجهها بقوة لتطرحها أرضاً. ورغم هذه العلاقة المشحونة والعدائية على الشاشة، كشفت بليث بعد عقود طويلة، في لقاء خاص مسجل لشبكة "تورنر كلاسيك موفيز" (TCM)، أنها وجوان كروفورد كانتا على وفاق تام وصداقة قوية في الواقع، مؤكدة أنه كان من الصعب جداً عليها نفسياً توجيه تلك الصفعة لكروفورد في موقع التصوير.
أخرج هذا العمل الاستثنائي المخرج الكبير مايكل كورتيز (Michael Curtiz)، صاحب الروائع الكلاسيكية الخالدة مثل "كازابلانكا" (Casablanca)، و"مغامرات روبن هود" (The Adventures of Robin Hood)، و"يانكي دودل داندي" (Yankee Doodle Dandy). وعن علاقتها به، صرحت بليث لصحيفة لوس أنجلوس تايمز في عام 2013 قائلة: لقد كان يمتلك ثقة كبيرة في قدراتي، وهو الأمر الذي ساعدني ومنحني دفعاً قوياً في المقابل.
وقد حقق الفيلم نجاحاً ساحقاً لدى الجمهور والنقاد على حد سواء، وترشح لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم، وفازت جوان كروفورد بجائزة الأوسكار الوحيدة في مسيرتها كأفضل ممثلة، في حين ترشحت آن بليث والممثلة المساعدة إيف آردن (Eve Arden) لجائزة أفضل ممثلة مساعدة، ورغم عدم فوزهما، إلا أن المؤرخ السينمائي آلان رود صرح لصحيفة التايمز معلقاً على أداء بليث: لقد أبهرت الجميع حقاً. صحيح أن الفيلم هو فيلم جوان كروفورد بالدرجة الأولى، لكن بليث كانت هي العمود الفقري والعماد الحقيقي للعمل. لقد كانت التجسيد المثالي لـ 'ابنة الجحيم' في أفلام النوار (السينما السوداوية). إنه ببساطة أداء مذهل يتحدى الزمن.
يُذكر أن هذه الرواية الشهيرة التي كتبها جيمس إم كين، قد أُعيد تقديمها لاحقاً في عام 2011 كمسلسل قصير من إنتاج شبكة HBO، ومن إخراج تود هاينز، حيث لعبت النجمة كيت وينسلت دور الأم، بينما جسدت إيفان راشيل وود دور الابنة العاقة فيدا.
حادثة مأساوية وإرادة فولاذية على كرسي متحرك
في عام 1945، وبينما كانت بليث في إجازة قصيرة من تصوير فيلم التشويق الدرامي "إشارة الخطر" (Danger Signal)، تعرضت لحادث تزلج مأساوي أدى إلى كسر في ظهرها. هذا الحادث المفجع تسبب في عرقلة الزخم القوي لمسيرتها الفنية الناشئة، حيث أمضت عاماً ونصف العام في فترة نقاهة طويلة مجبرة على ارتداء دعامة طبية للظهر.
ولكن بدافع من الإرادة الفولاذية، استعانت بها شركة "يونيفرسال" للمشاركة في دراما السجون المميزة "القوة الغاشمة" (Brute Force) عام 1947 أمام النجم بيرت لانكستر (Burt Lancaster)، حيث صورت مشاهدها وهي لا تزال قعيدة الكرسي المتحرك. وبعد تماثلها التام للشفاء، منحتها الشركة أول دور بطولة مطلقة لها في الفيلم الدرامي "سويل غاي" (Swell Guy)، لتنطلق بعدها وتشارك النجم ميكي روني بطولة فيلم "القاتل مكوي" (Killer McCoy) في نفس العام.
آن بليث: مسيرة غنية وتنوع مبهر بين الكوميديا والميوزيكال
تميزت الفنانة السمراء الرقيقة بقصر قامتها وملامحها الجذابة، وساعدتها مرونتها الفنية وموهبتها الاستثنائية على التنوع في أدوارها بشكل مذهل. في عام 1948، قدمت دوراً مثيراً للاهتمام ومليئاً بالتحدي في فيلم "جزء آخر من الغابة" (Another Part of the Forest)، وهو يمثل أحداثاً سابقة (Prequel) لمسرحية ليليان هيلمان الشهيرة "الثعالب الصغيرة" (The Little Foxes)، حيث جسدت بليث النسخة الشابة من شخصية "ريجينا هوبارد" التي خلدتها النجمة بيت ديفيس على الشاشة سابقاً.
كما تنوعت أعمالها لتشمل:
الأفلام الكوميدية والخفيفة: مثل الفيلم الفانتازي الكوميدي "مستر بيبودي وحورية البحر" (Mr. Peabody and the Mermaid) عام 1948، والذي شاركها بطولته النجم ويليام باول ولعبت فيه دور حورية بحر صامتة، وفيلم "كاتي فعلتها" (Katie Did It).
الأفلام الدرامية والميلودراما: مثل فيلم "دقيقة حتى الصفر" (One Minute to Zero) عام 1952 مع النجم روبرت ميتشوم، وفيلم "ملكيتنا الخاصة" (Our Very Own) عام 1950 حيث لعبت دور فتاة متبناة تبحث عن والدتها البيولوجية، وفيلم "رعد على التل" (Thunder on the Hill) الذي جسدت فيه دور امرأة أُدينت ظلماً بالقتل.
الأفلام الملحمية والتاريخية: مثل الفيلم التاريخي "الحشد الذهبي" (The Golden Horde) عام 1951.
وقوفها أمام عمالقة السينما وأزمة الصوت المدبلج
وقفت آن بليث أمام كبار النجوم الرجال في عهد هوليوود الكلاسيكي؛ فإلى جانب لانكستر وروني وميتشوم وباول، شاركت النجم بينغ كروسبي في الفيلم الكوميدي الموسيقي "توب أوف ذي مورنينغ" (Top o' the Morning) عام 1949، والنجم غريغوري بيك في فيلم "العالم بين ذراعيه" (The World in His Arms) عام 1952، وهو آخر أفلامها لصالح استوديو يونيفرسال.
امتلكت بليث صوتاً أوبرالياً جميلاً من طبقة "السوبرانو"، وبدأت مسيرتها الفنية مبكراً على مسارح الأوبرا، مما جعلها مرشحة طبيعية ومثالية للأفلام الموسيقية؛ فانتقلت إلى استوديو MGM لتتألق في سلسلة من الأوبريتات والأفلام الاستعراضية، ومن أبرزها فيلم "الأمير الطالب" (The Student Prince) عام 1954، وفيلم "قسمة" (Kismet) عام 1955. كما جسدت دور زوجة الفنان إنريكو كاروسو في الفيلم الشهير "كاروسو العظيم" (The Great Caruso) عام 1951 أمام النجم ماريو لانزا.
وفي خطوة غريبة من نوعها أنهت بها مسيرتها السينمائية وهي في القمة، لعبت دور المغنية المأساوية في فيلم "قصة هيلين مورغان" (The Helen Morgan Story) عام 1957 أمام النجم بول نيومان. والمفارقة الغريبة أنه على الرغم من عذوبة صوت بليث الأوبرالي، إلا أن الاستوديو أصر على دبلجة صوتها في أغاني الفيلم والاستعانة بمغنية أخرى، وكان هذا الفيلم هو آخر ظهور سينمائي لها، تزامناً مع أفول نجم العصر الذهبي للأفلام الموسيقية الضخمة الذي تضررت بسببه مسيرة العديد من النجمات.
آن بليث البدايات المبكرة من مسارح برودواي إلى شاشات هوليوود
بالعودة إلى جذورها، عانت آن بليث في طفولتها من انفصال والديها وهي في سن صغيرة، فانتقلت مع والدتها وشقيقتها إلى مدينة نيويورك. تلقت تدريبها على الغناء والتمثيل منذ الصغر، وانضمت لفرقة "سان كارلو" للأوبرا طامحة في اعتلاء المسارح الأوبرالية.
شهدت مسيرتها ظهوراً وحيداً ومميزاً على مسارح برودواي في الإنتاج الأصلي لمسرحية ليليان هيلمان الدرامية عن الحرب العالمية الثانية "مراقبة على نهر الراين" (Watch on the Rhine) بين عامي 1941 و1942. وأثناء جولتها مع العرض المسرحي في مدينة لوس أنجلوس، خضعت لاختبار أداء للشاشة (Screen Test) لصالح شركة يونيفرسال، وهو ما فتح لها أبواب عالم هوليوود السحري.
دشنت بليث مشوارها السينمائي عام 1944 من خلال الفيلم الموسيقي الموجه للمراهقين "غصن من الشجرة" (Chip Off the Block)، وهو فيلم من الفئة (B) شاركها بطولته دونالد أوكونور، واستعرضت فيه قدراتها الصوتية الغنائية. وتلا ذلك مشاركتها في أعمال مشابهة في نفس العام مثل "آل مونا هان المرحون" (The Merry Monahans) و"أطفال في شارع السوينغ" (Babes on Swing Street)، لكنها لم تلفت أنظار صناع السينما والجمهور حقيقةً إلا بعد نقلتها النوعية في فيلم "ميلدريد بيرس" مع شركة "وارنر براذرز" في العام التالي.
هجرة السينما وتألق تلفزيوني ومسرحي لافت
بعد أن وضعت مسيرتها السينمائية أوزارها عام 1957، ركزت النجمة على عائلتها وحياتها الأسرية، دون أن تقطع صلتها بالفن تماماً، حيث اتجهت بقوة نحو المسرح الموسيقي، وشاركت في بطولات مسرحية شهيرة مثل "صوت الموسيقى" (The Sound of Music)، و"الملك وأنا" (The King and I)، و"الكرنفال" (Carnival)، و"حلو ومر" (Bittersweet)، و"جنوب المحيط الهادئ" (South Pacific)، و"قارب العرض" (Show Boat)، و"موسيقى ليلية قصيرة" (A Little Night Music).
أما على صعيد الشاشة الصغيرة، فقد بدأت بليث بظهور متقطع على التلفزيون منذ الخمسينيات؛ حيث شاركت عام 1954 في معالجة تلفزيونية لبرنامج "مسرح لوكس للفيديو" لفيلم "مكان في الشمس" (A Place in the Sun)، وظهرت في "عرض ديبونت مع جون أليسون" (The DuPont Show With June Allyson) عام 1959، و"مسرح ديرك باول" (The Dick Powell Theatre) عام 1962.
كما شاركت في عدة حلقات من مسلسل الغرب الأمريكي الشهير "قطار العربات" (Wagon Train) في أوائل الستينيات، وحلت ضيفة شرف بارزة في الحلقة الأيقونية الشهيرة "ملكة النيل" (Queen of the Nile) من مسلسل الفانتازيا والغموض الكلاسيكي الشهير "منطقة الشفق" (The Twilight Zone) عام 1964. تلا ذلك ظهورها في بضع حلقات من مسلسل "كوينسي" (Quincy, M.E.)، لتختتم مسيرتها التلفزيونية والفنية نهائياً بظهور مميز في مسلسل الغموض الشهير "جريمة قتل، كتبت" (Murder, She Wrote) عام 1985.
الحياة الشخصية والإرث العائلي الممتد
عاشت النجمة الراحلة حياة أسرية مستقرة ودافئة بعيداً عن صخب أضواء هوليوود؛ حيث تزوجت من الطبيب الدكتور جيمس مكنالتي (Dr. James McNulty) عام 1953، واستمر زواجهما الناجح لأكثر من نصف قرن حتى وفاته في عام 2007.
وقد أثمر هذا الزواج عن خمسة أبناء، وامتدت عائلتها الكبيرة لتشمل 10 أحفاد، و5 من أبناء الأحفاد، لترحل آن بليث تاركةً وراءها سيرة إنسانية عطرة، وإرثاً فنياً هوليوودياً خالداً سيبقى ملهماً لعشاق السينما الكلاسيكية حول العالم.
يُمكنكم قراءة: وفاة أسطورة ديزني بيبو برايسون وسيلين ديون تودعه برسالة مؤثرة: قلبي محطم
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».

Google News