يُعَدُّ سلوك المسافرين، بما يشمله من قرارات ودوافع وعادات تُشكِّل كيفية تخطيطهم لرحلاتهم وتجربتهم لها وتذكرها؛ أحد أغنى مجالات أبحاث المسافر من الناحية النفسية. لا يقتصر الأمر على وجهة السفر فحسب، بل يتعداه إلى أسباب السفر، وكيفية اختيار الوجهات، والمشاعر التي تنتاب المسافرين، وكيف يُمكن لرحلة واحدة أن تُغير رغباتهم المستقبلية.
ما العوامل الرئيسية المؤثرة في سلوك المسافر؟

لا ينشأ سلوك المسافر من متغير واحد، بل هو نتاج مجموعة متراكمة من المؤثرات، بعضها ديموغرافي، وبعضها نفسي عميق، وبعضها ظرفي، وتتفاعل هذه المؤثرات بطرق يصعب فهمها.
النقطة البديهية هي العوامل الديموغرافية؛ فالعمر والدخل وتكوين الأسرة تُحدِّد المعايير الأساسية لكيفية سفر الشخص: مدة الرحلة، ومسافتها، وتكلفتها. يختلف سلوك زوجين متقاعدين يتمتعان بدخل فائض اختلافاً كبيراً عن سلوك شاب يحجز رحلته الفردية الأولى بميزانية محدودة. لكن العوامل الديموغرافية ليست مؤشراً دقيقاً؛ فهي تُعطينا صورة عامة، لا تفاصيل دقيقة. أما العامل الأكثر دلالة فهو العوامل النفسية: سمات الشخصية، والقيم، ونمط الحياة، والخبرة المتراكمة في السفر؛ فالشخص الذي يميل إلى استكشاف الجديد سيتجه نحو وجهات غير مألوفة حتى لو كانت الوجهات المألوفة أقل تكلفة. والشخص الذي يُولي اهتماماً كبيراً للحفاظ على البيئة سيضع البصمة الكربونية في اعتباره عند اتخاذ قرار الحجز، وهو ما لا يُفكر فيه مسافر آخر.
تُشكِّل الخلفية الثقافية أساساً مرجعياً؛ فكما تُؤثر الأعراف الثقافية في السلوك اليومي بطرقٍ نادراً ما يُدركها الناس بوعي، فإنها تُؤثر أيضاً في توقعات السفر: درجة تقبل المخاطر، وأهمية الانسجام الجماعي مقابل التفضيلات الفردية، والرغبة في تجارب غامرة مقابل تجارب مُنتقاة بعناية.
ما الاحتياجات النفسية التي تدفع الناس إلى السفر في المقام الأول؟

السؤال الأهم في أبحاث السفر ليس إلى أين يذهب الناس، بل لماذا يُكلفون أنفسهم عناء السفر أصلاً.
بعد تلبية الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية واحتياجات الأمان، يسعى الناس إلى الانتماء، وتقدير الذات، وفي نهاية المطاف تحقيق الذات.
يُلبِّي السفر كل مستوى من هذه المستويات العليا بطرق مختلفة: فالرحلات الجماعية تُشبع رغبة الانتماء؛ والوجهات السياحية الجذابة تُعزِّز تقدير الذات؛ أما الرحلات الفردية إلى أماكن نائية فتُشعر المرء بتحقيق الذات الحقيقي. إن فهم سيكولوجية حب السفر يُبين أن الدافع للسفر نادراً ما يكون عبثياً، بل يعود إلى بعض أعمق الدوافع في علم النفس البشري.
يُذكر دافع الهروب باستمرار كدافع رئيسي، وهو الحاجة إلى خلق مسافة نفسية من الروتين اليومي والالتزامات والهُوِيَّة. لكن الهروب وحده لا يُفسر السلوك تفسيراً كاملاً؛ فغالباً ما يقترن به السعي: فالناس يهربون من شيء ما، لكنهم يسافرون أيضاً نحو شيء مُحدد. الاسترخاء، والتجديد، والتواصل، والمغامرة، والمكانة الاجتماعية.
هذه الدوافع المتضاربة لا تُشكل قرار السفر فحسب، بل تُؤثر في كل تفضيلاتنا خلاله. يُعَدُّ البحث عن المتعة دافعاً مهماً آخر، وبكل وضوح. فمجرد الترقب لرحلة ما يُحسن المزاج بشكل ملحوظ، وتشير بعض الدراسات إلى أن مرحلة التخطيط تُولد شعوراً بالراحة النفسية يُضاهي ما تُولده الرحلة نفسها. وهذا يُفسر جزئياً سبب حجز الناس لعطلات لا يستطيعون تحمل تكاليفها لاحقاً: فالحجز بحد ذاته يُحقق لهم مكافأة نفسية.
كيف يختلف سفر جيل الألفية وجيل زد عن جيل طفرة المواليد؟

إن الاختلافات بين الأجيال في سلوك المسافرين حقيقية، يُعَدُّ جيل الألفية، بشكل عام، مواليد الفترة بين عامي 1981 و1996، الفئة الأكثر دراسة في أبحاث السياحة خلال العقد الماضي. وتتمثل سماتهم السلوكية المميزة في: إعطاء الأولوية للتجارب على حساب الممتلكات، والاعتماد الكبير على تقييمات الأقران والشهادات الاجتماعية، وفترات حجز أقصر، وتفضيل قوي للتجارب "الأصيلة" على الرحلات السياحية المنظمة.
أما مسافرو جيل زد، الذين يدخلون السوق بأعداد كبيرة الآن؛ فيُظهرون توجهاً مشابهاً نحو التجارب، ولكن مع بعض الاختلافات المميزة. فهم يُجرون أبحاثاً أكثر شمولاً قبل الحجز، ويُبدون حساسية أكبر تجاه معايير الاستدامة، ويُظهرون ميلاً أكبر نحو التنوع عند اختيار وجهاتهم. كما أنهم أول جيلٍ تُجرى رحلة سفرهم بالكامل، من الإلهام إلى التقييم، عبر الهاتف الذكي بشكلٍ أساسي.
في المقابل، يُستهان بجيل طفرة المواليد "المولودين بين عامي 1946 و1964" بشكلٍ ممنهج. والحقيقة هي أن البالغين فوق سن 55 عاماً يُشكلون حالياً الشريحة الأسرع نمواً والأعلى إنفاقاً بين المسافرين على مستوى العالم، وقد تسارع هذا النمو منذ جائحة كورونا مع ازدياد وقت الفراغ المتاح نتيجة التقاعد المبكر؛ فهم يُسافرون فترات أطول، وينفقون مبالغ أكبر يومياً، ويُظهرون ولاءً أكبر بكثير لوجهات سياحية وعلامات فندقية مُحددة.
أما جيل إكس؛ فيقع بين هذين الجيلين: فهم مُلمون بالتكنولوجيا إلى حدٍّ ما، ويتمتعون بمتوسط دخل أعلى من جيل الألفية، ويزداد اهتمامهم بالسياحة الصحية والعائلية مع تغير أنماط أسرهم.
كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي في اختيار الوجهات لدى المسافرين المعاصرين؟
لقد حققت وسائل التواصل الاجتماعي إنجازاً لافتاً: فقد حولت تجارب سفر الآخرين إلى فهرس حي ومتجدد وقابل للبحث، يُلهم المسافرين لاختيار وجهاتهم.
ولهذا الأمر تبعات سلوكية ملموسة؛ فقد شهدت وجهات مثل أيسلندا وجزر فارو وبعض القرى الجبلية في اليابان طفرة هائلة في أعداد الزوار خلال العقد الماضي، ويعود الفضل في ذلك بشكل شبه كامل إلى انتشار الصور بشكل واسع، قبل أن تصل إليها أي حملة تسويقية تقليدية. ويعتمد هذا الأمر جزئياً على الطموح "أرغب في خوض هذه التجربة" وجزئياً على الدليل الاجتماعي "إذا زارها من أتابعهم، فهي تستحق الزيارة".
وأصبح سلوك مشاركة الصور أثناء السفر جزءاً لا يتجزأ من تجربة السفر نفسها بالنسبة للكثيرين، ليس من باب التباهي، بل بوصفه وسيلة لخلق معنى فوري والتواصل الاجتماعي.
يُغير توثيق الرحلة طريقة تنقل الناس في المكان: فهم يلاحظون المزيد، لكنهم يقضون أيضاً وقتاً ملحوظاً أمام الشاشة بدلاً من الانغماس الكامل في التجربة.
تُعَدُّ وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً آليةً لتعزيز ولاء المسافرين بعد رحلاتهم؛ فالمسافرون الذين يشاركون تجاربهم بكثرة خلال رحلتهم يُرجح أن يُوصوا بتلك الوجهة ويعودوا إليها، إذ يُعزز توثيق الذكريات العامة الارتباط الشخصي بها.

Google News