هذا السؤالُ يتردَّدُ كثيراً في بالي منذ أيامٍ. سؤالٌ يبدو قاسياً في صياغته، وربما غير مريحٍ أيضاً، لكنَّه يفرضُ نفسه أمامَ تلك المفارقاتِ الغريبةِ التي يصنعها الزمنُ حين يغيبُ إنسانٌ، فيُعيد غيابه إنسانٌ آخرُ إلى الضوء، وحين يُصبح الحزنُ من حيث لا يريدُ أحدٌ باباً تفتحه أجيالٌ جديدةٌ على ذاكرةٍ قديمةٍ، ظننا أنها أُغلِقَت قبل زمنٍ!
منذ الإعلانِ الحزينِ والمؤثِّرِ عن رحيلِ ياسمين، الابنةِ الوحيدةِ للنجمةِ الكبيرةِ نجلاء فتحي، حدثَ شيءٌ لافتٌ للغاية. لم يكن الاهتمامُ مقتصراً فقط على الخبر، ولا على التعاطفِ الطبيعي مع أمٍّ فقدت ابنتها، وهو واحدٌ من أقسى أشكالِ الفقدان التي يمكن لإنسانٍ أن يُواجهها، بل وامتدَّ الأمرُ أيضاً وبسرعةٍ إلى اسمِ نجلاء فتحي نفسها، إلى تاريخها، وصورها، وأفلامها، وحواراتها القديمة، وطريقتها في الكلامِ، والضحك، والتعبيرِ عن نفسها.
فجأةً، عادَ اسمُ نجلاء فتحي إلى الواجهة.. ليس بوصفِ الفنَّانةِ خبراً عابراً، بل بوصفها اكتشافاً.. وهنا تكمنُ المفارقة.
هناك جيلٌ كاملٌ يتعرَّفُ اليوم على نجلاء فتحي للمرَّةِ الأولى، أو لنقل: يتعرَّفُ عليها فعلاً للمرَّةِ الأولى. كان يعرفُ الاسمَ ربما، سمعَه من أمٍّ، أو أبٍ، شاهدَه في قائمةِ أبطالِ فيلمٍ قديمٍ، مرَّ ذات مساءٍ على شاشةِ تلفزيونٍ، أو رآه مكتوباً في منشورٍ يتحدَّثُ عن «نجماتِ الزمنِ الجميل»، لكنَّه لم يكن يعرفُ بالضرورةِ ماذا كان يعني هذا الاسمُ في زمنه.. لأن نجلاء فتحي، بالنسبةِ إلى أجيالٍ سابقةٍ، لم تكن مجرَّد ممثِّلةٍ ناجحةٍ.. لقد كانت حالةً جماهيريَّةً.
كانت وجهاً من الوجوه التي ارتبطت في الذاكرةِ العربيَّةِ بفكرةِ النجمةِ نفسها، تلك النجمة التي لا تحتاجُ إلى مناسبةٍ حتى يُكتَبَ عنها، ولا إلى «ترندٍ» حتى يتذكَّرها الكثيرون، لأن صورتها كانت جزءاً من الحياةِ اليوميَّةِ لجمهورها. أمَّا الأجيالُ الجديدةُ، خاصَّةً الجيلَ Z، ثم جيل Alpha الذي بدأ قسمٌ منه يقتربُ من متابعةِ الثقافةِ والفنِّ، فوُلِدَ في زمنٍ كانت فيه نجلاء فتحي قد ابتعدت أصلاً عن المشهد، فليس لها أعمالٌ جديدةٌ، ولا ظهورٌ إعلامي مستمرٌّ، ولا حساباتٌ اجتماعيَّةٌ تُلاحق الجمهورَ كلَّ يومٍ، ولا محاولاتٌ للبقاءِ في دائرةِ الضوء، لذا كان طبيعياً أن تتحوَّلَ، بالنسبةِ إلى بعضهم، من نجمةٍ يعرفونها إلى اسمٍ يعرفونه.
وهناك فارقٌ هائلٌ بين الاثنين.
بالتأكيد، كنتُ أتمنَّى لو أن فضولَ هذا الجيلِ تُجاهها أُثير بسببِ أمرٍ مختلفٍ.. كنتُ أتمنَّى أن يكون فيلماً، أُعيد عرضُه، أو مهرجاناً قرَّر الاحتفاءَ بتاريخها، أو منصَّةً، أعادت تقديمَ أعمالها بصورةٍ تليقُ بها، أو حتى مقابلةً جديدةً، تظهرُ فيها بعد سنواتِ الغياب، لتتحدَّثَ عن السينما، والحياةِ، والعمرِ، والذكريات.. لكنْ شاءت الأقدارُ أن تكون فاجعتها هي الباب.. رحلت ياسمين، فعادت الناسُ إلى أمها.
