مع كلِّ حالةِ وفاةٍ في الوسطِ الفنِّي يتجدَّدُ النقاشُ ذاته عن نقصِ الدعمِ للفنَّانين المبتعدين "قسراً" من قِبل زملائهم من النجوم، ما يتسبَّبُ في موجةٍ من الانتقاداتِ، والهجومِ، تطالُ الوسطَ الفنِّي بأكمله، وكأنَّ المسؤوليَّةَ تقعُ حصراً على عاتقِ الفنَّانين الآخرين.
ومع تصاعدِ الجدلِ، يظهرُ جانبٌ آخرُ من المشهدِ، يتمثَّلُ في استغلالِ بعض الفنَّانين والإعلاميين لـ "الترند" القائمِ حيث تبدأ زياراتٌ، وتقديمُ مساعداتٍ ماليَّةٍ للفنَّانين المعوزين أمامَ الكاميرات، ثم تنطلقُ موجةُ رسائلَ وعظيَّةٍ عبر مواقعِ التواصل، تدعو إلى التكافلِ بين الفنَّانين، وتنتقدُ مَن لا يُشارك في هذه المبادرات.
وعلى الرغمِ من أن مساعدةَ المحتاجين أمرٌ محمودٌ في جوهره إلا أن تحويلها إلى محتوى إعلامي، أو وسيلةٍ لإدانةِ الآخرين يُفرغها من كثيرٍ من قيمتها الإنسانيَّة، لذا أعتقدُ أن الوقتَ قد حان للنظرِ إلى القضيَّةِ من زاويةٍ أكثر واقعيَّةً، فالفنَّانون ليسوا الجهةَ المخوَّلة، أو الملزمةَ بتحمُّلِ مسؤوليَّةِ إعالةِ الفنَّانين الذين يمرُّون بضائقةٍ ماليَّةٍ.. لأن الأمرَ أكبر من ذلك، والحقيقةُ أن ما يُواجهه بعض الفنَّانين في مراحلَ متقدِّمةٍ من حياتهم المهنيَّة، ليس أمراً مفاجئاً، أو غير متوقَّعٍ، فعلى امتدادِ التاريخ، شهدنا مئاتِ النجومِ الذين كانوا في يومٍ من الأيَّامِ الأكثر طلباً وحضوراً، ثم تغيَّرت الظروفُ، وتراجع الطلبُ عليهم، أو ابتعدوا عن الساحةِ تماماً، وهذه دورةٌ طبيعيَّةٌ، كان يُفترَض أن تكون درساً واضحاً للأجيال اللاحقة.
في المقابل، هناك نماذجُ ناجحةٌ لفنَّانين تعاملوا مع الواقعِ بوعي أكبر، فاستثمروا الأجورَ المرتفعةَ التي حصلوا عليها خلال سنواتِ النجوميَّةِ في مشروعاتٍ تجاريَّةٍ، أو استثماراتٍ متنوِّعةٍ، وفَّرت لهم الاستقرارَ بعد تراجعِ نشاطهم الفنِّي. واليوم، يعيشُ كثيرٍ منهم بعيداً عن الأضواء، لكنَّهم في أوضاعٍ ماديَّةٍ ومعيشيَّةٍ جيِّدةٍ بفضل قراراتٍ اتَّخذوها في الوقتِ المناسب.
وأستحضرُ هنا تجربةً شخصيَّةً، عشتُها خلال تقديمِ برنامجِ "بعيداً عن النجوميَّة" حيث حاورتُ نحو 20 فناناً من كبارِ النجومِ حول تأثيرِ الشهرةِ في حياتهم وقراراتهم بعيداً عن الفنِّ. والمثيرُ أن جميعهم تقريباً، ودون استثناءٍ، تحدَّثوا عن شعورٍ بالندمِ تُجاه قراراتٍ اتَّخذوها خلال سنواتِ النجاح، سواء بترك وظائفَ مستقرَّةٍ كانوا يعملون بها، أو بتأجيلِ مشروعاتٍ وأحلامٍ كانوا يُخطِّطون لتنفيذها. أمَّا الفنَّانون الذين وجدتهم في أفضلِ أحوالهم النفسيَّةِ والماديَّة، فكانوا أولئك الذين حافظوا على وظائفهم، أو قاموا بإنشاء مشروعاتهم الخاصَّة، أو استثمروا مكاسبَ سنواتِ الشهرةِ في بناءِ مستقبلٍ أكثر استقراراً.
لذا، لا يتعلَّقُ النقاشُ الحقيقي الذي يجبُ أن يخرجَ من هذه القصصِ بإدانةِ الفنَّانين، أو بمطالبتهم بتحمُّلِ مسؤوليَّاتٍ لا علاقةَ لهم بها، بل بترسيخِ ثقافةِ التخطيطِ للمستقبل، وإدارةِ النجاحِ بحكمةٍ، خاصَّةً للعاملين في الفنِّ والإعلامِ، كما يقولُ الواقع.
